تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
يحوّل داخل الإنسان إلى عقدة ضاغطة تقضي عليه في نهاية المطاف . وقد أوضح القرآن طبيعة هذا الحسد ، فقد كانوا يحبون أن ينزل القرآن عليهم ليكمّل تاريخ النبوّات لبني إسرائيل ، ليعزز من مكانتهم ويرفع من امتيازاتهم ويقوّي من مواقفهم . . .
فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ
؛ الغضب الأول ما واجهوه عند تمردهم على موسى وعلى الأنبياء من بعده قبل النبي محمد صلّى اللّه عليه وآله ، والغضب الثاني عندما تمردوا على النبي محمد صلّى اللّه عليه وآله .
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ
في الآخرة . ويزداد الموقف وضوحا في ما يكشفه القرآن لنا من ملامح شخصيتهم في هذا الحوار :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
، فهذا كتاب اللّه أمامكم فآمنوا به .
قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا
فنحن أصحاب كتاب سماوي أنزله اللّه علينا ، فلا حاجة لنا بغيره لأنه يحقق لنا الكفاية في ما نحتاجه من أمور الدنيا والآخرة .
وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ
من الكتب السماوية من الإنجيل والقرآن ،
وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ
. وبذلك كان الإيمان بكتابهم مستلزما للإيمان بالقرآن لأنه يصدق التوراة في تعاليمها . وهنا تتجلى عملية التعرية في أوضح بيان ؛ إن القرآن يتجه إليهم ليقول لهم : هل أنتم جادّون في دعوى الإيمان بما أنزل عليكم من كتاب ؟ هل تنطلقون فيها من مواقع الحق والإيمان ، أم أنها مجرّد مبرر استعراضي تحاولون من خلاله تبرير كفركم بالقرآن ؟ إنكم كاذبون في ذلك ، لأن المؤمن بشيء لا بد له أن ينسجم مع إيمانه في مجال العمل به من جهة ، وفي مجال التقديس لأنبياء الإيمان من جهة أخرى ، ولكنكم سرتم في غير هذا الاتجاه .
قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
وهم الأنبياء الذين جاءوا من بعد موسى ، يحملون رسالته ، ويدعون الناس إلى العمل بالكتاب ، ويعتبرون امتدادا طبيعيا له ؟ ولم يقتصر الموقف المعاند على هؤلاء الأنبياء ، فما ذا عن موقفكم من موسى الذي جاء بالكتاب ؟
من وحي القرآن — صفحة 127 | السيد محمد حسين فضل الله