الآية التي يستعرض فيها النبوّات من لدن موسى الذي جاء وبيده كتاب اللّه ، مرورا بالرسل الذين جاءوا من بعده ، وانتهاء بعيسى الذي أرسله اللّه ، ومعه البينات التي تثبت رسالته ونبوّته وأيّده بروح القدس . إن الموقف الذي يحكم سلوكهم من كل نبي هو موافقته لشهواتهم وأطماعهم وأهوائهم أو عدم موافقته لذلك ، فإذا لم يحقق لهم ما يريدون ولم يوافق على ما يشتهون ، فإنهم يستكبرون عليه بما يملكون من جاه ومال وقوة ، ومن تاريخ رسالي ، ومن كتاب سماوي يتبجحون بالانتماء إليه . . . ويعبرون عن ذلك بالتكذيب تارة لبعض الأنبياء الذين لا يستطيعون قتلهم نتيجة الظروف الموضوعية الخاصة ، مما يدخل في حساب القوة الذاتية للنبي لكثرة قومه كما في قوم شعيب ، وبالقتل أخرى للأنبياء الذين لا يملكون أيّ نوع من أنواع القوة التي تمنحهم الحصانة في نظر بني إسرائيل . وكأن القرآن يريد أن يعطي الموقف الذي يقفه اليهود من النبي محمد صلّى اللّه عليه وآله بعدا تاريخيا يدخل في حساب تكوين الشخصية ، وفي العقدة المتأصلة التي يعاني منها هذا الشعب بشكل عام من الأنبياء ورسالاتهم .
ادعاؤهم عدم الفهم
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
أي مغلقة عن وعي الأفكار والدعوات والتعاليم التي يدعون إليها ، وهذا ما كانوا يواجهون به الأنبياء الذين يطلبون منهم الفهم والتأمل في ما يقدم إليهم من براهين وحجج وآيات ، فكان ردّ الفعل لديهم تظاهرهم بعدم الفهم أو بعدم القدرة على الإدراك ، لأن قلوبهم لا تملك الذكاء الذي تستطيع من خلاله الوصول إلى أبعاد القضية . وقد يكون هذا الزعم هروبا من الدخول في عملية الحوار ، وقد يكون استهزاء وسخرية بالنبي عندما