تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
والإيمان والهدى والضلال ، فيهتدي به من ينسجم معه ، ويضلّ به من يبتعد عنه ، تماما كما يقول الناس إن التجربة والامتحان يسقطان الناس أو ينجحانهم ، مع أن القضية هي أن الناس يسقطون أمام التجربة بالابتعاد عن أسس النجاح ، وينجحون معها بالاقتراب من ذلك ، فهي السبب لكلا الموقفين ، باعتبار أنها القاعدة التي أطلقت الموقف هنا وهناك ، وبذلك تبتعد الآية عن ملامح الفكرة الجبرية التي تربط الضلال باللّه بشكل مباشر .
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
أي : لا يدع ضرب المثل استحياء من حقارة الموضوع الذي يتعلق به لعدم تناسبه مع موقع العظمة في ذاته ، لأن طبيعة المثل ، في موضوعه ، تتصل بالفكرة التي يراد تقريبها للذهن الإنساني ، من خلال الصورة الحسية المتمثلة في وجدانه ؛ فقد تفرض حديثا عن الأشياء الحقيرة لأنها أكثر تمثيلا للفكرة ، كما هي البعوضة التي ضربها اللّه مثلا لعجز المستكبرين الذين يضعون أنفسهم في موقع الآلهة ، فلا يملكون أن يخلقوا الذباب ، أو يسترجعوا ما يسلبهم الذباب من الأشياء المتصلة بحياتهم مما يحافظون عليه « 1 » ، وكما هي الحال في العنكبوت الذي ضرب اللّه مثلا ببيته تمثيلا للبيوت التي لا ترتكز على أساس ، وقد تفرض حديثا عن الأشياء الكبيرة كما في مثال
كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ
.
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
باللّه وانفتحوا على آياته وتدبّروا معانيها ، وعرفوا مقاصدها وإيحاءاتها ، وانطلقوا في وعيهم الفكري إلى أعماقها ، فلم يتوقفوا
هامش
( 1 ) نلاحظ أن للبعوضة في داخل تكوينها سرا عميقا يتصل بعظمة الخالق فيها ، فقد ورد الحديث عن الإمام جعفر الصادق ( ع ) : إنما ضرب اللّه المثل بالبعوضة ، لأن البعوضة على صغر حجمها خلق اللّه فيها جميع ما خلق في الفيل ، مع كبره ، وزيادة عضوين آخرين ، فأراد اللّه تعالى أن ينبه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعه . ( مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 84 ) .
من وحي القرآن — صفحة 197 | السيد محمد حسين فضل الله