تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
أما الكافرون الذين لم تنفتح قلوبهم للحق ، ولم يعيشوا مسؤولية الكلمة في حياتهم ، فلا يحاولون أن يتفهموا وجه الحق في ذلك ؛ بل يعملون على التهرب من مواجهة المسؤولية بإثارة الاعتراضات والتساؤلات التي لا يريدون بها إلا المشاغبة والتشكيك بعيدا عن أية رغبة في المعرفة ، أو نزوع إلى الإيمان ، فيثيرون القضية في سؤال يوحي للآخرين بأنهم لم يفهموا ماذا أراد اللّه بهذا المثل . وقد نستوحي من خلال هذا التساؤل أنهم يريدون التهرب من الحقائق الصارخة التي يجسّدها المثل لا سيما في النيل من معتقداتهم وتضليلاتهم وكفرهم ونفاقهم ، فيواجهونه مواجهة عدم الفهم إمعانا في الهروب من تحديات الحق - الذي تمثله الرسالة - للباطل المتمثل في خطواتهم الكافرة والضالة ، تماما كما نشاهده في بعض الجماعات الكافرة التي تثير الضباب أمام الحقائق الدامغة بطرح الأسئلة التي تجعل القضية تتحرك في أجواء بعيدة عن الحوار الجديّ العميق . ولكن اللّه ، سبحانه وتعالى ، يواجه هذا التساؤل بالجواب الحاسم ، فيوحي - من خلال الآية - بأن دور المثل هو إقامة الحجة للحق على الناس ، باعتباره أسلوبا حيا من أساليب الاحتجاج للفكرة ، فأمّا المؤمنون فيتقبلونها بوعي لأنهم ينفذون إلى أعماقها ، فتنفتح لهم منها آفاق المعرفة والإيمان ، فيهتدون بها ، وأما الكافرون فيهربون منها فيضلّون بها . ثم حدد لنا هؤلاء الذين يتجهون إلى الضلال أمام هذه الأمثال ، فوصفهم بالفاسقين الذين يتجاوزون الحق إلى غيره . أمّا نسبة الضلال والهدى إلى المثل الذي ضربه اللّه للناس ، وأراد أن يضل به الكثير ويهدي به الكثير ، على حسب مضمون الآية ، فلعل الوجه فيه هو أن وجود الحجة يحدد للناس الموقف الذي يقفونه من قضايا الكفر
من وحي القرآن — صفحة 196 | السيد محمد حسين فضل الله