وتكلف آلاف المناسبات ، في الأرض والجو وخلقة الطير ، لتتم هذه الخارقة ، وتعم بانتظام دائب .
إنه ليس مسك الكون فقط من خالقه ، فمسكة الكون ، وترتيب الكون ، وتركيب الكون ، وآثار الكون وخواصه ، وما إلى ذلك من مسك ، ليست إلا من الرحمان :
إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ
.
ليست هنا وهناك فوضى ، دون بصيرة ولا هدف مقصود ، وإلا لا نخرط نظام الكون ، وبطلت قوانينه ، وبطل اكتشاف العلل من المعلولات ، وبطلت العلوم بأسرها ! هل تظن أن إمساك الدواب على الأرض الطائرة ، إنه أسهل من إمساك الطير في جوّ السماء ؟ فهل يا ترى أيهما أصعب وأعجب ؟ إمساك الطير ، أو إمساكه بما يحمله ؟ والأرض طير تحمل البليارات من راكبيها ، أحياء وأمواتا :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً . أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 77 : 25 )
كفاتا : تسرع في طيرانها ، متقبضة فيها أحياء ما عليها وأمواتها ، مكافحة قانون الفرار عن المركز ، وسوف يأتيكم نبأ الكفات في سورة المرسلات .
علك تسأل : لماذا القرآن لا يصرح بطيران الأرض ومسكتها في الجوّ ، فيمثل الطير ؟ الجواب : انه يمن - فيما يمن علينا - بكفات الأرض ، منة عابرة ، كيلا تفاجأ بالتكذيب ، لأنه خلاف الحس العام ، فيخص التصريح ، والأمر بالنظر ، بما لا ينكره أي ذي بصر :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 16 : 79 )
وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
( 24 : 41 ) .
جلنا جولات عاطفة عابرة ، كلها عبرة ، مع الأرض الذلول ، والطير الممسك ، ومع الخسف والحاصب ، ولم نجد لنا منها جنودا منفصلة من دون الرحمان ، بل هي والكون كله من جنود الرحمان :