تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
الجن الشياطين ، إنما حرس شديد وشهاب رصد لصدّهم عن التسمّع إلى أسرار الملإ الأعلى إذ عوّضوا عنها بوحي أعلى يصدرونه عن الرسول الخاتم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم . هنا الجن يقرّون أن الرسالة المحمدية منذ بزوغها هي التي ملأت السماء حرسا شديدا وشهبا ، لا منذ ولادته صلّى اللّه عليه وآله وسلم إذ قالوا :
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ
: قبل الآن
فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً
والآن هو آن استماعهم للقرآن لا آن ولادة نبي القرآن . هذا - ومن الجائز كون تجنيد الحرس الشديد والشهاب الرصد ، منذ ولادة الرسول ، كذلك وملء السماء وفي مقاعد الجن المؤمنين دون تعرّض لهم ، ثم منذ الرسالة ونزول القرآن أخذوا في تنفيذ الأوامر الباتة لدحر المتسمعين من الجن كافرين ومؤمنين سواء . فالنيازك النارية الراصدة بحرسها الشديد ، تحرق مردة الجن المسترقين للسمع دائما ، وتنبه المؤمنين منهم ، ولا ريب أنهم تركوا لمس السماء بعد إذ عرفوا أنهم ممنوعون ، تركوه بدافع الايمان ولا سيما أنهم مرسلون ، ثم سائر المؤمنين منهم مهما اخطؤوا في لمس السماء لاستماع اخبارها ، فعلّهم لا يثقبون بالنيازك الشهب كما تثقب مردة الشياطين ، وإنما يدحرون دحرا أو ينبهون مرة تلو الأخرى ، ولكي يختص الوحي وأخبار السماء بالرسول الختم ، ثم لا خبر ولا وحي بعد ارتحاله صلّى اللّه عليه وآله وسلم وإلى القيامة الكبرى . فحريّ بهؤلاء الرسل الكرام أن يحتاروا في أمرهم :
وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ
إذ انقطع عنهم خبر السماء ووحيه ، وكانوا - كرسل - يصدرونه إلى أهل الأرض من الجن ، أشر أريد بهم ؟ فظلوا في فتور الوحي أو فترته :
أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً
: بما علّه يعوّضهم عنه بما فيه رشدهم وأكثر مما كان ، فليس انقطاع خبر السماء رشدا لأهل الأرض إلا إذا عوّض عنها بما هو أرشد وأحرى ، وكما قالوا :
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً . .
فلم تكن أخبار السماء عجبا كما القرآن عجب ، فقد أراد ربهم بهم فيه رشدا .
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 179 | الشيخ محمد الصادقي الطهراني