تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
هذه السورة تقرر حقيقة الجن وكيانهم وشعورهم نحو الشريعة ومشابهتهم الإنس في الأحكام إلا ما يفرقهم عنه افتراق الجنس ، ثم هي تقف موقف الوسط بين الإغراق في الوهم ممن يزعمهم مسيطرين على الإنس ، وبين الإغراق في الإنكار ممن ينفي حتى وجودهم ، فتقرر ان لهم حقيقة موجودة ، نتعرف إليها في طيات الآيات هنا وفي سائر القرآن ، فمن ميزاتهم خلقهم قبل الإنس :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 15 : 27 )
وانهم محجوبون عن الإنسان مبدئيا ، يرونه ولا يراهم :
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ( 7 : 27 )
. ومن ميزات الإنس استقلال الرسالة الإلهية فيهم دائما دون تبعية للجن ، ولكنما الجن تتبع الإنس فيها وكما ندرسه في هذه السورة . ثم هما مشتركان في التكليف ، والبعث والعقاب :
قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ . . . ( 7 : 38 )
وأنّ فيهم الجنسين يتكاثرون بالتناسل كالإنسان :
وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً ( 72 : 6 )
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ( 17 : 50 )
وفي غير ذلك . وهل فيهم أنبياء منهم ، أم هم دوما أتباع لأنبياء الإنس ؟ نتبين ذلك وكثيرا مثله في هذه السورة :
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً
. فمن هؤلاء النفر ؟ هل هم رسل الرسول محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى سائر الجن دون أن يوحى إليهم بشيء ؟ أم هم رسل اللّه اليه ليستمعوا منه وحي القرآن ، دون أن يستقلوا بوحي الرسالة الاسلامية ولو تبعا للرسول ، وانما أوحي إليهم ليستمعوا منه القرآن فيولوا إلى قومهم منذرين ؟ قد يلمح القرآن إلى وحيهم هذا :
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 169 | الشيخ محمد الصادقي الطهراني