تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
الشجرة ولفظ الكلام ، و
« فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى »
كان معنى مجردا أجرد عن كل حجاب إلّا حجاب الذات ، وذلك حين لم يكن بينه وبين اللَّه أحد في مقام « دنى » أم ولا نفسه فضلا عن سواه من سائر الحجب في مقام « أو أدنى » حيث
« دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى . فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى . ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى »
رؤية معرفية - في قمتها - اللَّه ، ورؤية الوحي القمة ! لقد تلقى موسى بازغ الوحي بملء كيانه ، ووقف في أكرم موقف يلقاه إنسان حيث أصبح موسى الأجير الراعي للأغنام ، الرسول الراعي للأنام ! هنا
« نُودِيَ
. .
إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ »
وفي طه « نودي إني أنا ربك » وفي النمل
« نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » ( 9 )
مع العلم انه لم يكن النداء إلّا بصيغة واحدة علّها هي أولاها فإنها أشملها حيث تعني شامل الربوبية له ولسائر العالمين . ثم « اني » تعني اللَّه المتكلم من إذاعة الشجرة دون الشجرة نفسها وكما يسمع من مسجلة الصوت الآية
« إِنِّي أَنَا اللَّهُ »
وليست المسجلة هي القائلة بل هي وسيط إذاعة الصوت أيا كان ، فالشجرة كانت - إذن - مذياع النداء ، وكما رسول الوحي إلى الرسل ينقل
« إِنِّي أَنَا اللَّهُ »
ثم الرسل ينقلونها لأممهم
« إِنِّي أَنَا اللَّهُ »
، فلا أن اللَّه حلّ في الشجرة وسبحانه ، ولا أنها حلّت إلى مرقى الربوبية ، وإنما اللَّه هو الذي تكلّم بحجاب الشجرة كما يتكلم بسائر الحجب . لقد أتاه بازغ الوحي مصحوبا بآية الرسالة الربانية ، مطمئنة إياه في عقبات الدعوة الشاقة :