تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
فإذا جاء الموت فلا حجاب ، وفرض العبادة انما هو في نشأة التكليف ، لكن العارفون ليسوا ليتركوا العبادة بعد الموت وان لم يكن هناك تكليف ، إذ لا تكلّف هناك في عبادة الرب ، بل التكلف ان يكلّف العارف باللَّه ان يترك عبادة اللَّه ،
« وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ »
تشتمل - بأحرى - شهيّات روحيات معرفيات من عبادات للَّه تعالى . فقيلة القائل ان العبادة انما هي لغاية المعرفة اليقين ، فإذا جاء اليقين فلا عبادة ، إنها قيلة باطلة في أصلها وفرعها ، فحتى لو كان لليقين نهاية فلا نهاية للعبادة ، حيث العبادة هي قضية المعرفة ، لزاما دائبة معها ، ففي ضعف المعرفة ضعف العبادة ، وفي قوتها قوتها ، فكيف يصح ترك العبادة إذا قويت المعرفة ، فحتى لو كلف العارف باللَّه ان يترك العبادة كان تكليفا شاقا لا يطاق ! . ف
« حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ »
فيما تعني اليقين المعرفة ، ليست لتحدد واقع العبادة لحد المعرفة اليقين ، مهما كان الخطاب في « فاعبد » لغير أول العابدين ، واما فيما هو له يخصه أم ويعم على هامشه سائر العارفين ، فلان العبادة من وسائل المعرفة ، كما المعرفة من بواعث العبادة ، لذلك
« وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ »
بل
« ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
فالعبادة غرض أقصى من خلقهم ، وهي لزام خلقهم ما هم كائنون ، ولكي يأتيهم اليقين حتى يعبدوه أكثر مما كانوا يعبدون . فالعبادة والمعرفة هما فرقدان كل لزام زميله ، وتقدمة له وتكملة ، فكلما ارتقى كلّ ارتقى قرينه ، والفصل بينهما صعب أم لا يمكن حين يصل كل إلى ذروة عالية من مدارجه . أتراك حين تعرف مولاك أكثر مما كنت تعرفه تخف له طاعتك ؟ أم تشف على قدر معرفتك ؟ فكما المعرفة كمال العارف باللَّه ، كذلك العبادة كمال
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 253 | الشيخ محمد الصادقي الطهراني