أخذ اللّه ، وهؤلاء الغلاظ الشداد من قومه ، إن هم إلّا دوابا من هذه الدواب التي هو آخذ بناصيتها ويقهرها بقوته ، فما خوفي من هذه الدواب ، وما احتفالي بها وهي لا تتسلط عليّ - إن كانت لها سلطة - إلّا بإذن ربي .
وهذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة الربانية في نفسه النفيسة لا تدع في قلبه أية مجالة للشك والارتياب في عاقبة أمره الناجحة مهما كانت إمرا ، إذ لا تخرج على أية حال عن أمر اللّه ، إذا :
« فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ » ( 57 )
.
« فَإِنْ تَوَلَّوْا »
أنتم أولاء الأنكاد البعاد « ف » قل « قد
أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ
» فمالي غيره ولا لكم سواء ، من حجة بالغة تبلغ العقول غير المدخولة وقد أديت واجبي ، ثم لا أتحسر من تكذيبكم وتعذيبكم «
وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي
» مكانكم بعد ما أخذكم بعذابه الموعود
« قَوْماً غَيْرَكُمْ »
« وَلا تَضُرُّونَهُ »
في كفركم إن بقيتم ، ولا في منعتكم من عذابه إن حاولتم ولا نقضا لملكه على أية حال
« شَيْئاً »
فإن له الأمر كله وما أنتم بمعجزين ربي ولا إياي
« إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ »
بعلمه وقدرته وحكمته البالغة .
« حفيظ » يحفظ دينه وأولياءه وسننه من الضياع ، و « حفيظ » عليكم فلا تفلتون عن أخذته ولا تعجزونه هربا .
وهنا « يستخلف ربي قوما غيركم » تحديد لخلافتهم أنفسهم عمن قبلهم بتهديد ، ف «
اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
» ( 7 : 69 ) نبهة لهم في هذه الرسالة ، ثم « يستخلف » تهديد بخلافة أخرى بعدهم حين يستأصلون عن بكرتهم .
ذلك لأن الحياة الأرضية هي حياة الخلائق ، حيث يخلف بعضهم بعضا : «
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ
» ( 6 : 165 ) و «
خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ
» ( 35 : 39 ) وليس يعني أنهم خلفاء اللّه نفسه في الأرض ، إذ