تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
كدعوة ربانية ، فاضية عن موانع الإقبال إليها كسؤال أجرة . وفي نظرة أخرى إلى الآية ، قد تلمح
« نَبَأَ نُوحٍ »
بصيغة الإفراد ، أن تهديهم السافر أمام تلك الجموع المحتشدة ضده ، المعرقلة دعوته ، بتحضير مربع طاقاتهم وإمكانياتهم قضاء إليه ، وليس له إلا توكله على ربه ، تلمح أنه يقول ما يقوله صدقا دونما ادعاء خاو هاو ، وهذا على حده كأنه نباءه ( عليه السلام ) مع ما كانت له أنباء وأبناء ، حيث الرسول النافض يديه عن بلاغة بعد كل الحجج المثبتة لرسالته ، لو لم يكن في الحق رسولا كان يضعف ، لا أن يتضاعف بذلك المربع البارع الذي كلّ من أضلاعه كاف واف لاثبات حقه حقّه . ثم « مقامي » قد تحتمل مثلث معانيها : قياما بمكانه وزمانه في دعوته ، ومن ثم تطلبه إجماعهم في أمرهم وشركاءهم دونما إبقاء ، تدليلا على أن جمعية قواتهم كليلة عليلة عن مقاومته في دعوته . وبعد كل ذلك
« ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ »
دون « عليّ » لمحة لعدم مكنتهم للقضاء عليه ، إنما إليه ، قصدا للقضاء عليه ولن يقضوا عليه أبدا .
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 )
. لقد غرقوا بما كذبوا ومرقوا ، ونجى نوح والذين معه في الفلك فلم يغرقوا «
وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ
» من بعدهم يخلفونهم في استمرارية الحياة «
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
» . وهكذا انطوى طومار هؤلاء الأنكاد عن بكرتهم على كثرتهم ، ونجى نوح والذين معه في الفلك على قلتهم إذ «
ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
» .
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ( 74 )
. هنا نتوسع في المعني من « خلائف » فإن الذين نجوا معه في الفلك أصبحوا بأنسالهم خلائف للغرقى في كونهم ، وبعض منهم في كيانهم