تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
ولكن « أنى » سؤال عن زمن تحقيق البشارة ، وليس استفهام انكار واستبعاد عنها ، فلم يقل « كيف - أو - اين » وانما « أنّى » - ولكي لا تتأخر أكثر مما تأخرت يعرض حاله
« وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ »
وحال زوجه
« وَامْرَأَتِي عاقِرٌ »
فأجيب من فوره بتأكيد البشارة « قال كذلك » البعيد البعيد عن حساب الناس ، العظيم العظيم عند اللّه
« اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ »
دون رادع ولا مانع ، فإنما امره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون . . . فلا ينسب إلى اي عاقل فضلا عن نبي ان يستبعد من رحمة اللّه ما رجاه ودعاه ولقد كانت « أنى » في موقعها - حين يرى أن البشارة واقعة موقعها - إذ يبتهج بجدارته لها فوزا بحظوتها ، حاصلا على مزيتها ، فتطلب زمن تحققها ، عالما انه يورق الهشيم ويستنتج العقيم . وهذه طبيعة الحال لمن بشر بما يتمناه ، وهي غريبة عن حاله على رجاءه أن يولد له فرط السرور عند اوّل ما يهجم على سمعه ما تقاضاه ، استئنافا في المعرفة وزيادة في الاستبانة ، ولا أقل من استعلام زمن الهبة المبشرة . اجل و
« قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا » ( 19 : 8 )
عرضا لحاله البعيدة عن هذه الرحمة الغالية ، بعد ان دعا ربه
« هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ »
وهو الرحمة اللدنية الخاصة ، البعيدة عن المألوف تكوينا وتشريعا ، وهذه شيمة كريمة من الصالحين في دعاءهم عرضا لفقرهم وغناه ، واستعراضا لسلب اهليتهم في أنفسهم رجاء رحمة اللّه . فما اقبحه تأويلا عليلا قيلة القائل : ان اللّه لما بشره بالولد - وكان عنده ان العاقر لا تلد - والعقيم لا تنسل - اعترضه الشيطان حين نادته الملائكة ان ما سمعه انما هو منه لا منهم ، فشك فيما بشر . وذلك جهل عظيم من قائلة وقلة بصيرة بمنازل الوحي ، فإنهم تجل