وفي كونه مالك الملك ، بل الوجه أن يقال : إنّ للّه صفتي قهر ولطف ، ومن الواجب أن يكون الملك ولا سيّما ملك الملوك كذلك ؛ إذ كلّ منهما من أوصاف الكمال ، ولا يقوم أحدهما مقام الآخر ، ومن منع ذلك كابر وعاند .
ولا بدّ لكلّ من الوصفين من مظهر ، فالملائكة ومن ضاهاهم من الأخيار مظاهر اللطف ، والشياطين ومن والأهم من الأشرار مظاهر القهر ، ومظاهر اللطف هم أهل الجنّة والأعمال المستتبعة لها ، ومظاهر القهر هم أهل النار والأفعال المعقّبة إيّاها .
وهاهنا سرّ ، وهو أنّ اللطف والقهر والجنّة والنار إنّما يصح وجود كلّ منها بوجود الآخر ، فلو لا القهر لم يتحقّق اللطف ، ولولا النار لم تثبت الجنّة ؛ كما أنّه لو لم يتبيّن الألم لم تتحقّق اللذّة ، ولولا الجوع والعطش لم يظهر الشبع والريّ . وللّه درّ من قال :
وبضدّها تتبيّن الأشياء فخلق اللّه للجنّة خلقا يعملون بعمل أهل الجنّة ، وللنار خلقا يعملون بعمل أهل النار ، ولا اعتراض لأحد عليه في تخصيص كلّ من الفريقين بما خصّصوا به ، فإنّه لو عكس الأمر لكان الاعتراض بحاله .
وهاهنا تظهر حقيقة السعادة والشقاوة ، فمنهم شقيّ وسعيد .
وقد روي أنّ اللّه يبعث إلى الجنين ملكا فيكتب عليه عمله وأجله ورزقه وسعادته وشقاوته .
وإذا تأمّلت فيما قلت يظهر لك أن لا وجه بعد ذلك لإسناد الظلم والقبائح إليه تعالى ، لأنّ هذا الترتيب من لوازم الوجود والإيجاد .
بوارق القهر في تفسير سوره الدهر — صفحة 328
مساهمون: ملا حبيب الله الشريف الكاشاني
ص٣٢٨