في أذهانهم عند استماع تلك الألفاظ إلّا الصور الجسمانيّة المحسوسة الّتي كانوا ألفوها وأنسوا بها في عالم الشهادة ، كذلك الكاملون العارفون بحقائق الحكمة والعرفان إذا استمعوا تلك الألفاظ لا يتوجّهون إلّا إلى المقامات الروحانيّة ، واللذّات الملكوتيّة ، ولا ينتقش في ألواح أذهانهم إلّا هذه المعاني العلويّة اللاهوتيّة ، والحقائق العالية الهاهوتيّة . كيف ولا يتمنّون لرفعة همّتهم إلّا تلك المقامات القربيّة ، ولا يرجون إلّا الفوز بهذه المعاني الملكوتيّة ، والالتذاذ بالإفاضات الإلهيّة والعنايات الرحمانيّة الأزليّة ، وذلك لما ركز في هويّتهم من الشوق إلى الحقّ الّذي هو المبدأ الأوّل لكلّ ما في الإمكان .
وأمّا الناقصون فليس فيهم ذلك الشوق ، ولذا كانت منيتهم الالتذاذ بالمشارب والمآكل والمناكح الّتي هي لائقة بمقام البهيمة ، وهؤلاء لقد استبدلوا الّذي هو أدنى بالّذي هو خير ، وضلّوا عن مقام الوجد والحال .
ولقد أجاد الغزاليّ رحمه اللّه في ذلك المقام ؛ حيث قال :
اعلم أنّه لو خلق فيك شهوة شوق إلى اللّه ، وشهوة لمعرفة جلاله أصدق وأقوى من شوقك للأكل والنكاح لكنت تؤثر جنّة المعارف ورياضها وبساتينها على الجنّة الّتي فيها قضاء الشهوات المحسوسة .
واعلم أنّ هذه الشهوة خلقت للعارفين ولم يخلق لك كما خلقت لك شهوة الجاه ولم يخلق للصبيان ، وإنّما للصبيان شهوة اللعب ، فأنت معجب من الصبيان في عكوفهم على لذّة اللعب وخلوّهم عن لذّة الرئاسة ، والعارف يتعجّب منك في عكوفك على لذّة الجاه والرئاسة ، فإنّ الدنيا بحذافيرها عند العارف لهو ولعب .
بوارق القهر في تفسير سوره الدهر — صفحة 196
مساهمون: ملا حبيب الله الشريف الكاشاني
ص١٩٦