تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
ويستشهدون بقوله : أنا الحق . وبما حكى عن أبي يزيد البسطامي أنه قال : سبحانى سبحانى . ! وهذا فنّ من الكلام عظيم ضرره على العوام ، حتى لقد ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم ، وأظهروا مثل هذه الدعاوى ، فإن هذا الكلام يستلذه الطبع ، إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال ، فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم ، ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة . ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا : هذا إنكار مصدره العلم والجدل ، والعلم حجاب ، والجدل عمل النفس ، وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق . . . فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره ، وعظم في العوامّ ضرره ، حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين اللّه من إحياء عشرة . وأما أبو يزيد البسطامي رحمه اللّه ، فلا يصح عنه ما يحكى ، وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن اللّه عزّ وجلّ في كلام يردّده في نفسه ، كما لو سمع وهو يقول : « إنّنى أنا اللّه لا إله إلا أنا فاعبدني » فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية . ( الصنف الثاني من الشطح ) : كلمات غير مفهومة ، لها ظواهر رائقة ، وفيها عبارات هائلة ، وليس وراءها طائل . وتلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها ، بل يصدرها عن خبط في عقله ، وتشويش في خياله ، لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه . وهذا هو الأكثر . وإما أن تكون مفهومة له ، ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره ، لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة . ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوّش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان ، أو يحمل على أن يفهم منها معان ما أريدت ، ويكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما حدّث أحدكم قوما بحديث لا يفقهونه إلا كان