تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
فتنة عليهم « 1 » » و قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلموا الناس بما يعرفون ، ودعوا ما ينكرون ، أتريدون ، أن يكذّب اللّه ورسوله « 2 » » وهذا فيما يفهمه صاحبه ولا يبلغه عقل المستمع ، فكيف فيما لا يفهمه قائله ؟ فإن كان يفهمه القائل دون المستمع فلا يحلّ ذكره . وقال عيسى عليه السلام : « لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ، كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء في موضع الداء » وفي لفظ آخر : « من وضع الحكمة في غير أهلها فقد جهل ، ومن منعها أهلها فقد ظلم . إن للحكمة حقا ، وإن لها أهلا ، فأعط كلّ ذي حقّ حقه » . وأما الطاعات فيدخلها ما ذكرناه في الشطح ، وأمر آخر يخصها ، وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة ، كدأب الباطنية في التأويلات . فهذا أيضا حرام وضرره عظيم ، فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها من غير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع ، ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل ، اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ ، وسقط به منفعة كلام اللّه تعالى وكلام رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به والباطن لا ضبط له ، بل تتعارض فيه الخواطر ، ويمكن تنزيله على وجوه شتى . وهذا أيضا من البدع الشائعة العظيمة الضرر وإنما قصد أصحابها الإغراب ، لأن النفوس مائلة إلى الغريب ومستلذّة له . وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها ، وتنزيلها على رأيهم ، كما حكيناه من مذاهبهم في كتاب المستظهري المصنف في الرد على الباطنية .
هامش
( 1 ) هذا الحديث رواه مسلم في مقدمة صحيحه ، موقوفا على ابن مسعود . ورواه العقيلي في الضعفاء . ( 2 ) هذا الحديث رواه البخاري موقوفا على علىّ ، ورفعه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبى نعيم .