تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
خلقنا لهم بقدرتنا وإرادتنا بلا معين ولا ظهير أنعاما من الإبل والبقر والغنم ، يصرفونها كما شاءوا بالقهر والغلبة . فهي ذليلة منقادة لهم . فالجارية الصغيرة إن شاءت أناخت البازل الكبير ، وإن شاءت ساقته وصرفته كما تريد . قال العباس بن مرداس :
وتضربه الوليدة بالهراوي * فلا غير لديه ولا نكير
ثم ذكر منافعها ، فقال :
وَذَلَّلْناها
؛ أي « 1 » : وصيرنا تلك الأنعام ذليلة منقادة
لَهُمْ
؛ أي : لهؤلاء المشركين وغيرهم ، بحيث لا تستعصي عليهم في شيء مما يريدون بها ، من الركوب والسوق إلى ما شاءوا ، والذبح مع كمال قوتها وقدرتها . فهو نعمة من النعم الظاهرة ، ولهذا ألزم اللّه الراكب أن يشكر هذه النعمة ، ويسبح بقوله :
سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
. والفاء في قوله :
فَمِنْها رَكُوبُهُمْ
لتفريع أحكام التذليل عليه ، و ( من ) تبعيضية ، والركوب - بفتح الراء - بمعنى : المركوب كالحلوب بمعنى : المحلوب ؛ أي : فلأجل تذليلنا إياها لهم ، كان بعض منها مركوبهم ؛ أي : معظم منافعها الركوب ، وقطع المسافات ، وعدم التعرض للحمل لكونه من تتمات الركوب . وقرأ الجمهور « 2 » :
رَكُوبُهُمْ
بفتح الراء ، وهو فعول بمعنى مفعول . وقرأ أبي ، وعائشة ركوبتهم بالتاء ، وهي فعولة بمعنى : مفعولة . والركوب والركوبة واحد ، مثل الحلوب والحلوبة ، والحمول والحمولة . وقال أبو عبيدة : الركوبة للواحد والجماعة ، والركوب لا يكون إلا للجماعة . وقرأ الحسن ، والأعمش ، وابن السميفع ، وأبو البرهسم : فمنها ركوبهم بضم الراء وبغير تاء ، فيقدّر مضاف ؛ أي : فمنها ذو ركوبهم ، أو فمن منافعها ركوبهم . وزعم أبو حاتم : أنه لا يجوز فمنها ركوبهم بضم الراء ؛ لأنه مصدر بمعنى : كون الإنسان على ظهر حيوان أو غيره ، والمقصود هنا : المركوب . وأجاز ذلك الفرّاء ، كما يقال : فمنها أكلهم ، ومنها شربهم .
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) البحر المحيط .