القلب ؛ لأنه المنتفع به . ثم الإنذار صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحقيقة . وقرأ « 1 » نافع ، وابن عامر لتنذر بتاء الخطاب للرسول صلى اللّه عليه وسلم . وقرأ باقي السبعة : بياء الغيبة ، فاحتمل أن يعود على الرسول ، واحتمل أن يعود على القرآن .
والمعنى « 2 » : أي وما القرآن إلا مواعظ من ربنا ، يرشد بها عباده إلى ما فيه نفعهم وهدايتهم في معاشهم ومعادهم ، نزل من الملأ الأعلى وليس من كلام البشر . فقد تحدى المخالفين أن يأتوا بمثله ؛ فما استطاعوا ، فلجئوا إلى السيف والسنان ، وتركوا المقاولة بالحجة والبرهان . ثم ذكر من ينتفع به فقال :
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا
؛ أي : لينتفع بنذارته من كان حي القلب ، مستنير البصيرة ، يعرف مواقع الهدى والرشاد ، فيسترشد بهديه ، وليس له من صوارف الهوى ما يصده عن اتباع الحق ، ولا من نوازع الاستكبار والإعراض ، ما يكون حائلا بينه وبين الهدى . فهو يتواثب على الإقرار بالحق ، إذا لاح له بريق من نوره ، فتمتلئ جوانبه إشراقا وضياء ، ويخر له مذعنا مستسلما . وكأن طائفا من السماء نزل عليه فأثلج صدره ، وألان قلبه ، فاطمأن له وركن إليه . وذلك من رزقه اللّه التوفيق والهداية ، وكتب له الفوز والسعادة .
وبعدئذ بيّن عاقبة من أعرض عنه ، فقال :
وَيَحِقَّ الْقَوْلُ
؛ أي : ويجب القضاء من اللّه تعالى ، وتجب كلمة العذاب . وهي
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *
.
عَلَى الْكافِرِينَ
؛ أي : على المصرين على الكفر به تعالى ، الذين هم كأنهم أموات ، لخلوهم من النفوس الحساسة اليقظة ، التي دأبها اتباع الحق ومخالفة الهوى ؛ لأنه إذا انتفت الريبة إلا المعاندة فيحق القول عليهم . وفي إيرادهم في مقابلة
مَنْ كانَ حَيًّا
إشعار بأنهم لخلوهم عن آثار الحياة ، وأحكامها ، التي هي المعرفة ، أموات في الحقيقة ، كالجنين ما لم ينفخ فيه الروح . فالمعرفة تؤدي إلى الإيمان والإسلام والإحسان التي لا يموت أهلها ، بل ينتقل من مكان إلى مكان .
والهمزة في قوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
للاستفهام التقريري للتعجيب خلافا لما قاله
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
( 2 ) المراغي .