تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
الشيطان يأمر أولا بمخالفة اللّه ظاهرا ، فمن أطاعه فقد عبده ، ومن لم يطعه فيقول له : اعبد اللّه كيلا تهان ، وليرتفع شأنك عند الناس ، وينتفع بك إخوانك . فإن أجاب إليه فقد عبده . والهمزة في قوله :
أَ فَلَمْ تَكُونُوا
للاستفهام التوبيخي « 1 » ، داخلة على مقدر يقتضيه المقام ، والفاء عاطفة على ذلك المقدر ، والتقدير : أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم ، فلم تكونوا تعقلون ، أنها لضلالهم وطاعتهم إبليس ، أو فلم تكونوا تعقلون شيئا أصلا ، حتى ترتدعوا عما كانوا عليه ، كيلا يحيق بكم العقاب . وقرأ الجمهور :
أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ
بتاء الخطاب . وقرأ طلحة ، وعيسى بياء الغيبة عائدا على جبل . وفي « كشف الأسرار » : هو استفهام تقريع على تركهم الانتفاع بالعقل ، مع أنه نور يستضاء به . ثم اعلم « 2 » : أن الجاهل الأحمق ، والضال المطلق في يد الشيطان ، يقوده حيث يشاء ، ولو علم حقيقة الحال ، وعقل أن اللّه الملك المتعال ، واهتدى إلى طريق التوحيد ، الطاعة ، ولحفظه اللّه من تلك الساعة . فإن التوحيد حصنه الحصين ، ومن دخل فيه أمن من مكر العدو المهين ، ومن خرج عنه طالبا للنجاة ، أدركه الهلاك ومات في يد الآفات ، ومن أهمل نفسه فلم يتحرك لشيء ، كان كمجنون لا يعرف شمسا من فيء . فنسأل اللّه الاشتغال بطاعته واستيعاب الأوقات بعبادته ، وطرد الشيطان بأنوار الخدمة وقهر النفس بأنواع الهمة . وبعد أن أنبوا ووبخوا بما سلف ، خوطبوا بما يزيدهم حسرة وألما ، فقيل لهم من جهة الملائكة :
هذِهِ
النار المسعرة هي
جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ
في الدنيا
تُوعَدُونَ
بها على ألسنة الرسل والمبلغين عنهم . إذ أنتم اتبعتم وساوس الشيطان ، وعصيتم الرحمن ، وعبدتم من دونه الأصنام والأوثان ، واجترحتم الفسوق والعصيان . ثم أمرهم أمر إهانة ، وتحقير لهم ، بقوله :
اصْلَوْهَا الْيَوْمَ
؛ أي : ادخلوا في
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) روح البيان .