تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
السياق ، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف ، و
مِنْ
شرطية ، جوابها قوله :
فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
أو موصولة خبرها محذوف ، دل عليه قوله :
فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ
. والتقدير : أكل الناس سواء ، فمن وسّع اللّه صدره للإسلام فقبله ، واهتدى بهديه
فَهُوَ
بسبب ذلك الشرح
عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
يفيض عليه كمن قسا قلبه لسوء اختياره ، فصار في ظلمات الضلالة ، وبليات الجهالة ، والمراد بشرح الصدر : خلقه متسع الصدر مستعدا للإسلام ، فبقي على الفطرة الأصلية ، ولم يتغير بالعوارض المكتسبة القادمة فيها ، فهو بسبب ذلك ، مستقر على نور عظيم من ربه ، والمراد بالنور : اللطف الإلهي الفائض عليه عند مشاهدة الآيات التكوينية والتنزيلية ، والتوفيق للاهتداء بها إلى الحق ؛ أي : كمن قسا قلبه ، وحرّج صدره ، بسبب تبديل فطرة اللّه بسوء اختياره ، واستولت عليه ظلمات الغي ، والضلالة ، فأعرض عن تلك الآيات بالكلية ، حتى لا يتذكر بها ، ولا يغتنمها كقوله تعالى :
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
. يعني ليس من هو على نور ، كمن هو على ظلمة ، فلا يستويان كما لا يستوي النور والظلمة ، والعلم والجهل . واعلم « 1 » : أنه لا نور ولا سعادة لمسلم ، إلا بالعلم والمعرفة ، ولكل واحد من المؤمنين معرفة تختص به ، وإنما تتفاوت درجاتهم بحسب تفاوت معارفهم ، والإيمان والمعارف أنوار ، فمنهم من يضيء نوره جميع الجهات ، ومنهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه ، فإيمان آحاد العوام نوره كنور الشمع ، وبعضهم نوره كنور السراج ، وإيمان الصديقين نوره كنور القمر ، والنجوم على تفاوتها ، وأما الأنبياء فنور إيمانهم كنور الشمس وأزيد ، فكما ينكشف في نورها كل الآفاق مع اتساعها ، ولا ينكشف في نور الشمع إلا زاوية ضيقة من البيت ، كذلك يتفاوت انشراح الصدور بالمعارف ، وانكشاف سعة الملكوت لقلوب المؤمنين ، ولهذا جاء في الحديث : أنه يقال يوم القيامة : أخرجوا من النار من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، ونصف مثقال ، وربع مثقال ، ففيه تنبيه على تفاوت درجات الإيمان ،
هامش
( 1 ) روح البيان .