والمعنى « 1 » : أي لكن الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه ، واجتناب محارمه لهم في الجنة غرف ؛ أي : طباق فوق طباق ، مبنيات محكمات تجري من تحتها الأنهار الأربعة ، الجارية في الجنة الماء ، واللبن ، والخمر ، والعسل المصفى ، ثم أكد حصول ذلك لهم بقوله :
وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ
؛ أي : وعد اللّه هؤلاء المتقين بذلك ، ووعده الحق ، فهو لا يخلف ما وعدهم ، بل يفي بوعده .
وعن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم ، كما يتراءون الكوكب الدرّي ، الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب ، لتفاضل ما بينهم » ، فقالوا : يا رسول اللّه ، تلك منازل الأنبياء ، لا يبلغها غيرهم ؟ قال : « بلى ، والذي نفسي بيده رجال آمنوا باللّه وصدقوا المرسلين » متفق عليه . قوله : « الغابر » ؛ أي : الباقي في ناحية المشرق أو المغرب .
وفي الآية دقيقة شريفة « 2 » : وهي أنه تعالى ، لم يذكر في آيات الوعيد البتة ، مثل هذا التأكيد ، وذلك يدل على أن جانب الوعد أرجح من جانب الوعيد ، أما قوله تعالى :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
ليس تصريحا بجانب الوعيد ، بل هو كلام عام ، يتناول الوعد والوعيد ، فثبت أن ترجيح الوعد حق ، خلافا للمعتزلة .
ولما ذكر سبحانه الآخرة ، ووصفها بوصف يوجب الرغبة فيها والشوق إليها . . أتبعه بذكر الدنيا ، ووصفها بوصف يوجب الرغبة عنها ، والنفرة منها ، فذكر تمثيلا لها في سرعة زوالها ، وقرب اضمحلالها ، مع ما في ذلك من ذكر نوع من أنواع قدرته الباهرة ، وصنعه البديع ، فقال :
أَ لَمْ تَرَ
؛ أي : ألم تعلم يا محمد ، أو أيها المخاطب ، أو ألم تر أيها الناظر ، والاستفهام فيه تقريريّ ، والرؤية إما بصرية أو قلبية ، والخطاب إما للنبي صلى اللّه عليه وسلم أو عام ، وهو أولى ؛ أي :
ألم تعلم أيها المخاطب
أَنَّ اللَّهَ
سبحانه وتعالى
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ
؛ أي : من
هامش
( 1 ) المراغي .
( 2 ) المراح .