تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
لمقتوه ، بل سعوا في تلف روحه وإهلاكه ، فانظر كيف ستر عن غيره أسراره وعوارفه ؟ . والثالث : مغفرة ذنوبه التي كان يستحق الافتضاح بها ، على ملأ من الخلق ، وقد وعد أن يبدل من سيئاته حسنات ، ليستر مقابح ذنوبه ، بثواب حسناته ، إذا مات على الإيمان ، وحظ العبد من هذا الاسم ، أن يستر من غيره ما يحب أن يستر منه ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من ستر على مؤمن عورته ، ستر اللّه عورته يوم القيامة » . والمغتاب ، والمتجسس ، والمكافئ على الإساءة بمعزل عن هذا الوصف ، وإنما المتصف به من لا يفشي من خلق اللّه ، إلا أحسن ما فيهم ، ولا ينفك مخلوق عن كمال ، ونقص ، وعن قبح وحسن ، فمن تغافل عن المقابح ، وذكر المحاسن ، فهو ذو نصيب من هذا الاسم والوصف ، كما روي عن عيسى عليه السلام : أنه مر مع الحواريين بكلب ميت ، قد غلب نتنه ، فقالوا : ما أنتن هذه الجيفة ؟ فقال عيسى عليه السلام : ما أحسن بياض أسنانها ، تنبيها على أن الذي ينبغي أن يذكر من كل شيء ، ما هو أحسنه . وبعد أن ذكر الدلائل التي بثها في العالم العلوي . . أردفها ذكر الدلائل التي أودعها في العالم السفلي ، وبدأها بخلق الإنسان ؛ لأنه أعجب ما فيه ، لما فيه من العقل ، وقبوله الأمانة الإلهية ، وللّه در من قال :
وتزعم أنّك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر
خَلَقَكُمْ
اللّه سبحانه وتعالى ، أيها الناس جميعا ، على اختلاف ألسنتكم وألوانكم
مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
هي نفس آدم ، عليه السلام
ثُمَّ جَعَلَ
؛ أي : خلق
مِنْها
؛ أي : من جنس تلك النفس الواحدة ، أو من قصيراها ، وهي الضلع التي تلي الخاصرة ، أو آخر الأضلاع من جهة السيار
زَوْجَها
حواء . و
ثُمَّ
عطف على محذوف ، هو صفة لنفس ؛ أي : خلقكم من نفس واحدة خلقها ، ثم جعل منها زوجها فشفعها ، وذلك فإن ظاهر الآية يفيد أن خلق حواء بعد خلق ذرية آدم ، وليس كذلك . وفيه إشارة إلى أن اللّه تعالى ، خلق الإنسان من نفس واحدة هي الروح ، وخلق منها زوجها ، وهو القلب ، فإنه خلق من الروح كما خلقت