تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
ثمانية أزواج ؛ أي : خلق فيكم من صفات الأنعام ثماني صفات ، وهي الأكل والشرب ، والتغوط والتبول ، والشهوة والحرص ، والشره والغضب ، وأصل جميع هذه الصفات ، الصفتان الاثنتان : الشهوة والعضب ، فإنه لا بد لكل حيوان من هاتين الصفتين ، لبقاء وجوده بهما ، فبالشهوة يجلب المنافع إلى نفسه ، وبالغضب يدفع المضرات . ثم ذكر سبيل خلق ما ذكر ، من الأناسي والأنعام ، فقال :
يَخْلُقُكُمْ
اللّه سبحانه وتعالى ، أيها الناس
فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
؛ أي : في أرحامهن
خَلْقاً
كائنا
مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ
؛ أي : خلقا مدرجا حيوانا ، سويا من بعد عظام مكسوة لحما ، من بعد عظام عارية ، من بعد مضغ مخلقة ، من بعد مضغ غير مخلقة ، من بعد علقة من بعد نطفة ، ونظيره قوله تعالى :
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
( 14 ) قاله قتادة والسدي . وقال ابن زيد : خلقكم خلقا في بطون أمهاتكم ، من بعد خلقكم في ظهر آدم ، عليه السلام . وقوله :
فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
متعلق بقوله : يخلقكم وهي ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة ، قاله مجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، والضحاك . وقال سعيد بن جبير : ظلمة المشيمة ، وظلمة الرحم ، وظلمة الليل . وقال أبو عبيدة : ظلمة صلب الرجل ، وظلمة بطن المرأة ، وظلمة الرحم ، والخلق في بطون الأمهات . حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان . وإنما قال :
فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
لتغليب من يعقل ، ولشرف الإنسان على سائر الخلق ، والمشيمة بفتح الميم : محل الولد ؛ أي : الجلد الرقيق المشتمل على الجنين . والمعنى : أي يبتدئ خلقكم أيها الناس ، في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق . فيكون أحدكم أولا نطفة ، ثم يكون علقة ، ثم يكون مضغة ، ثم يكون عظما وعصبا ، ثم يكون لحما ، وينفخ فيه الروح ، فيصير خلقا آخر ، فتبارك اللّه أحسن الخالقين
فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
؛ أي : في ظلمات أغشية ثلاثة ، جعلها المولى سبحانه وقاية ، للولد ، وحفظا له من التعفن . وقرأ عيسى ، وطلحة : يخلقكم بإدغام القاف في الكاف ، وقرأ حمزة : أمهاتكم بكسر بالهمزة ، والميم ، وقرأ الكسائي : بكسر الهمزة ، وفتح الميم ،
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 487 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي