تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
الشيطان ، أن لا حلال ، ولا حرام ، ولا جنة ، ولا نار ، فما هذه إلا أساطير الأولين ، وإذا كان هذا حقا ، واقتضته الحكمة ، وأوجبته العدالة ، فلا بد من دار أخرى يجازى فيها المطيع ، ويثاب على ما عمل ، ويعاقب فيها العاصي ، على ما دنس به نفسه من شرك بربه ، واجترح للإثم ، والعصيان ، ومخالفة أمر الواحد الديان . والعقول السليمة ، والفطر الصحيحة ، ترشد إلى هذا ، وتؤيده ، وتدل عليه ، وتثبته ، فإنا نرى الظالم الباغي ، قد يزداد في دنياه مالا وولدا ، ويتمتع بصنوف اللذات من الدور ، والقصور ، والفراش الوثير ، والسكن في الجنات ، ويركب فاره الخيول المطهمة ، والمراكب الفاخرة ، ويشار إليه بالبنان ، بينما نرى المطيع لربه المظلوم من بني جنسه ، قد يعيش عيش الكفاف ، ولا يجد ما يقيم به أوده ، ويسد به مخمصته ، أفيكون من حكمة الحكيم العادل ، الذي لا يظلم مثقال ذرة ، أن يترك الناس سدى ، يفعلون ما شاءوا بلا حساب ولا عقاب ، أو ينتصف للمظالم من الظالم ، ويرجع الحق إلى صاحبه ، وربما لا يحصل هذا في هذا الدنيا ، فلا بد من دار أخرى ، يكون فيها العدل ، والإنصاف ، والكيل بالقسط ، والميزان ، وتلك هي الدار التي وعد بها الرحمن ، على ألسنة رسله الكرام ، صدق ربنا ، وإن وعده لحق ، وإن هذا اليوم آت لا شك فيه ، لتجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم . ولما كان القرآن ، هو الذي يرشد إلى مثل هذه المقاصد الشريفة ، والمآخذ العقلية الصحيحة ، وكان منبع السعادات والخيرات . . وصفه أولا ، ثم بيّن المصلحة ، فقال :
كِتابٌ
: خبر مبتدأ محذوف ، وهو عبارة عن القرآن ؛ أي : هذا كتاب
أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ
يا محمد . صفة لكتاب
مُبارَكٌ
خبر ثان للمبتدأ المحذوف ، ولا يجوز أن يكون صفة أخرى لكتاب ، لما تقرر عندهم ، من أنه لا يجوز تأخير الوصف الصريح ، عن غير الصريح ، وقد جوزه بعض النحاة ، قرأ الجمهور :
مُبارَكٌ
بالرفع على الصفة ل
كِتابٌ
، وقرئ مباركا بالنصب على الحال اللازمة ، والتقدير ؛ أي : هذا القرآن الذي نتلوه عليك يا محمد ، كتاب أنزلناه إليك ، كثير المنفعة دينا ودنيا ، لمن آمن به ، وعمل بأحكامه ، وحقائقه ، وإشاراته ، فإن البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء ، والمبارك ما فيه ذلك الخير .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 373 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي