تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
على بعض البلاد ، ويملكه عليها ، وكانت النبوة قبل داود في سبطه ، والملك في سبط آخر ، فأعطاهما اللّه تعالى داود عليه السلام ، فكان يدبر أمر العباد بأمره تعالى ، وفيه دليل بيّن على أن حاله عليه السلام ، بعد التوبة ، كما كان قبلها لم يتغير قط ، بل زادت اصطفائيته كما قال في حق آدم عليه السلام : « ثم اجتباه ربه ، فتاب عليه وهدى » . والمعنى « 1 » : أي يا داود إنا استخلفناك في الأرض ، وجعلناك نافذ الحكم بين الرعية ، لك الملك والسلطان ، وعليهم السمع والطاعة ، لا يخالفون لك أمرا ، ولا يقيمون في وجهك عصا . ثم ذكر ما يستتبع ذلك ، فقال :
فَاحْكُمْ
؛ أي : فافصل الخصومة الواقعة
بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ
؛ أي : بالحكم العدل المنزل من عندي ، والذي شرعته لعبادي لما فيه من المصلحة لهم في الدنيا والآخرة ، وبه يكون الحاكم عادلا لا جائرا ؛ لأن الأحكام « 2 » إذا كانت مطابقة للشريعة الحقّية الإلهية ، انتظمت مصالح العالم ، واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه ، أما إذا كانت أحكام السلطان القاهر على وفق هواه ، ولطلب مصالح دنياه عظم ضرره على الخلق ، فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه ، وذلك يفضي إلى تخريب العالم ، ووقوع الهرج والمرج في الخلق ، وذلك يفضي إلى هلاك الملك . ثم أكد ما سلف بالنهي عن ضده ، فقال :
وَلا تَتَّبِعِ
يا داود
الْهَوى
؛ أي : ما تهواه النفس ، وتشتهيه في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا ، قال بعضهم : وهذا يؤيد ما قيل : إن ذنب داود الهم الذي هم به حين نظر إلى امرأة أوريا ، وهو أن يجعلها تحت نكاحه ، أو ما قيل : إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي ، وتظليم الآخر قبل مسألته . وفي هذا إرشاد لما يقتضيه منصب النبوة ، وتنبيه لمن هو دونه لسلوك هذا الطريق القويم . ثم بين سوء عاقبة ذلك ، فقال :
فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
بالنصب على أنه
هامش
( 1 ) المراغي . ( 2 ) المراح .