المجاز تصويرا لقبحه ، فإنه عبد اللّه فكيف يفر بغير الإذن وإلى أين يفر واللّه محيط به ، وقد صح أنه لا يقبل فرض الآبق ولا نفله حتى يرجع ، فإذا كان الأدنى مأخوذا بزلة فكيف الأعلى ؟ .
إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
؛ أي : إلى السفينة المملوءة من الناس ، والدواب ، والمتاع . ويقال : إلى الفلك المجهز الذي فرغ من جهازه . روي : أن يونس لما دخل السفينة ، وتوسطت البحر احتبست عن الجري ، ووقفت ، وكان ذلك بدجلة ؛ لأنه أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل . فقال الملاحون : هنا عبد أبق من سيده ، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها عبد آبق لا تجري . وقال الإمام : فقال الملاحون : إن فيكم عاصيا وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه من غير ريح ولا سبب ظاهر . وقال التجار : قد جربنا مثل هذا ، فإذا رأينا نقترع فمن خرج سهمه نرميه في البحر ، لأن غرق الواحد خير من غرق الكل . فاقترعوا ثلاث مرات ، فخرجت القرعة على يونس في كل مرة ، وذلك قوله تعالى :
فَساهَمَ
؛ أي :
فتساهموا . فساهم يونس واقترع ؛ أي : خرجت عليه القرعة . والمفهوم من تفسير الكاشفي : أن الضمير في ( ساهم ) إلى يونس . والسهم : ما يرمى به من القداح ونحوه . وقيل : الضمير إلى القوم ، والمعنى : فقارع أهل الفلك من الآبق ، وألقوا السهام على وجه القرعة ، فخرجت قرعة الرمي على يونس
فَكانَ
يونس
مِنَ الْمُدْحَضِينَ
؛ أي : فصار من المغلوبين . وأصل المدحض : المزلق : عن مقام الظفر والغلبة . ومنه قول الشاعر :
قتلنا المدحضين بكلّ فجّ * فقد قرّت بقتلهم العيون
أي : قتلنا المغلوبين .
ولما خرجت القرعة على يونس قال : أنا العبد الآبق ، أو يا هؤلاء أنا واللّه العاصي ، فتلفف في كسائه ، ثم قام على رأس السفينة ، فرمى بنفسه في البحر .
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ
؛ أي : فابتلعه الحوت العظيم . وقال في « كشف الأسرار » :
فصادفه حوت جاء من قبل اليمن ، فابتلعه فسفل به إلى قرار الأرضين حتى سمع تسبيح الحصى . وقوله :
وَهُوَ مُلِيمٌ
حال من مفعول
فَالْتَقَمَهُ
؛ أي : داخل في