ولما أورد عليهم إبراهيم هذه الحجة القوية ، التي لم يستطيعوا دفعها ، عدلوا عن الحجاج إلى الإيذاء واستعمال القوة ، فتشاوروا فيما بينهم ، واتفقوا على أن يبنوا له حائطا من حجارة ، ويملئوه حطبا ويضرموه ، ثم يلقوه فيه .
ف
قالُوا
؛ أي : قال بعضهم لبعض :
ابْنُوا لَهُ
؛ أي : لإبراهيم ؛ أي : لأجل الانتقام منه لآلهتكم
بَنَيْنا
رفيعا عريضا . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ابنوا حائطا من حجر ، طوله في السماء ثلاثون ذراعا ، وعرضه عشرون ذراعا ، وملئوه حطبا ، وأشعلوه نارا ، واطرحوه فيها كما قال تعالى حكاية عنهم :
فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ
؛ أي : فارموه في النار الشديدة الاتقاد والالتهاب . واللام فيه عوض عن المضاف إليه ؛ أي : في جحيم ذلك البنيان .
وقال السهيلي في « التعريف » : قائل هذه المقالة لهم فيما ذكر الطبري ، اسمه الهيزن ، رجل من أعراب فارس ، وهم الترك ، وهو الذي في الحديث : « بينا رجل يمشي في حلة ، يتبختر فيها فخسف به ، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة » .
ثم ألقوه فيها ، ونجاه اللّه منها ، وجعلها بردا وسلاما ، وهو معنى قوله :
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً
؛ أي : شرا ، وهو أن يحرقوه بالنار عليه السلام ؛ أي : لما قهرهم بالحجة ، وألقمهم الحجر قصدوا أن يكيدوا به ويحتالوا لا هلاكه كما كاد أصنامهم بكسره إياهم ، لئلا يظهر للعامة عجزهم .
فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ
؛ أي :
الأذلين بإبطال كيدهم ، وجعله في نحورهم ، وجعله برهانا نيرا على علوّ شأنه عليه السلام ، بجعل النار عليه بردا وسلاما على ما سبق تفصيل هذه القصة في سورة الأنبياء ؛ أي : إن إبراهيم في وقت المحاجة ، حصلت له الغلبة ، وعندما ألقوه في النار ، صرف اللّه عنه ضرر النار ، فصار هو الغالب عليهم .
فإن قلت « 1 » : لم ابتلاه اللّه تعالى بالنار في نفسه ؟ .
قلت : لأن كل إنسان يخاف بالطبع من ظهور صفة القهر ، كما قيل لموسى
هامش
( 1 ) روح البيان .