تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
أو للبناء على عادته تعالى معه ، ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام ، حيث قال :
عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ
، ولذلك أتى بصيغة التوقع . وهذه « 1 » الآية أصل في الهجرة ، من ديار الكفر إلى أرض ، يتمكن فيها من إقامة وظائف الدين والطاعة . وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام ، هاجر مع لوط وصار إلى الأرض المقدسة . ولما هاجر من وطنه ، ودخل الأرض المقدسة ، طلب الولد ، فقال :
رَبِّ هَبْ لِي
ولدا صالحا
مِنَ الصَّالِحِينَ
؛ أي : بعض الكاملين في الصلاح ، يعينني على الدعوة والطاعة ، ويؤنسني في الغربة ، هكذا قال « 2 » المفسرون ، وعللوا ذلك ، بأن الهبة قد غلب معناها في الولد ، فتحمل عليه عند الإطلاق ، وإذا وردت مقيدة ، حملت على ما قيدت به ، كما في قوله تعالى :
وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا
( 53 ) وعلى فرض أنها لم تغلب في طلب الولد فقوله :
فَبَشَّرْناهُ
على لسان الملائكة
بِغُلامٍ حَلِيمٍ
؛ أي : ذي حلم ، وحلم ؛ أي : بلوغ . يدل على أنه ما أراد بقوله :
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
( 100 ) إلا الولد ، والغلام « 3 » : من جاوز العشر ، وأما من دونها فصبي ، كما قاله بعض أهل اللغة كما سيأتي ، والحليم : من لا يعجل في الأمور ، ويتحمل المشاق ، ولا يضطرب عند إصابة المكروه ، ولا يحركه الغضب بسهولة ، ولقد جمع فيه ثلاث بشارات : بشارة أنه غلام ، وأنه يبلغ أوان الحلم فإن الصبي لا يوصف بالحلم ، وأنه يكون حليما ، وأي حلم يعادل حلمه ، حين عرض عليه أبوه الذبح ، وهو مراهق فاستسلم . روي : أن إبراهيم عليه السلام ، لما جعل اللّه النار عليه بردا وسلاما ، وأهلك عدوه النمرود ، وتزوج بسارة ، وكانت أحسن النساء وجها ، وكانت تشبه حواء في حسنها ، عزم الانتقال من أرض بابل إلى الشام ، فلما دخل الأرض المقدسة ، دعا ربه أن يرزقه الولد ، فقال :
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
( 100 ) ؛ أي : رب هب لي أولادا مطيعين ، يعينونني على الدعوة ، ويؤنسونني في الغربة ، ويكونون عوضا من قومي وعشيرتي الذين فارقتهم ، فاستجاب ربه دعاءه ، فقال :
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) الشوكاني . ( 3 ) روح العجائب .