بمعذبين إلا موتتنا الأولى بخلاف الكفار ، فإنهم يموتون مثلنا ، ثم في جهنم يتمنون الموت كل ساعة ، ولا يخفى ما في ذلك من سوء الحال ، وقيل لحكيم :
ما شر من الموت ؟ قال : الذي يتمنى معه الموت .
والخلاصة : أن المؤمن غبط نفسه ، بما أعطاه اللّه من الخلد في الجنة ، والإقامة في دار الكرامة ، بلا موت فيها ولا عذاب .
وعلم أهل الجنة أنهم لا يموتون فيها ، حصل لهم من إخبار الأنبياء لهم في الدنيا بذلك ، وبما ذكر في كتابه ، نحو قوله تعالى :
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
، وفي نفي العذاب عنهم إيماء إلى استمرار النعيم ، وعدم خوف زواله ، فإن خوف الزوال نوع من العذاب ، كما قال :
إذا شئت أن تحيا حياة هنيّه * فلا تتّخذ شيئا تخاف له فقدا
وإلى نفي الهرم واختلال القوى ، لأنه ضرب من العذاب أيضا .
ثم زاد في تأنيب قرينه وزيادة حسرته ، فقال :
إِنَّ هذا
الأمر العظيم ، الذي نحن فيه من النعمة والخلود والأمن من العذاب
لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
والظفر الجسيم ، والسعادة الأبدية ، والسلامة السرمدية ؛ أي : لهو السعادة والظفر بكل المراد ، إذ الدنيا وما فيها تحتقر دونه ، كما تحتقر القطرة من البحر المحيط ، والحبة من البيدر الكبير ، وقرئ أإن هذا لهو الفوز بزيادة همزة الاستفهام ، قاله في المراح .
والمعنى « 1 » : أي إن هذا الأمر العظيم ، والنعيم المقيم ، والخلود الدائم الذي نحن فيه ، لهو الفوز العظيم ، الذي لا يقادر قدره ، ولا يمكن الإحاطة بوصفه .
وقوله :
لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ
( 61 ) ؛ أي : لنيل هذا المرام الجليل من تمام كلامه ؛ أي : لنيل مثل هذا العطاء ، يجب أن يعمل العاملون ، ويجتهد
هامش
( 1 ) الشوكاني .