في الدنيا ، يوبخني على التصديق بالبعث والقيامة ، ويستنكره أشد الاستنكار ، ويقول متعجبا : أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ، أإنا لمحاسبون ، بعد ذلك على أعمالنا وما قدمته أيدينا ، ألا إن ذلك لا يدخل في باب الإمكان ، ولا يقبله عاقل فأجدر بمن يصدق بمثل هذا أن يعد من البله والمجانين الذين لا ينبغي مخاطبتهم ولا الدخول معهم في باب الجدل والخصام . فهم ساقطون من درجة الاعتبار لدى العقلاء والمنصفين . . وبعد أن ذكر مقالته لأهل الجنة ، أراد أن يؤكد لهم صدق ما قال ، ويريهم ما آل إليه أمره من دخول النار ف
قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ
؛ أي : قال لجلسائه من أهل الجنة ليزيدهم سرورا على أن عصمهم اللّه تعالى من مثل حاله ، ووفّقهم إلى العمل بما أرشد إليه أنبياءه ، هل تودون أن تروا عاقبة ذلك القرين ، وكيف خذله اللّه تعالى ، وأوقعه في الهلكة ؟ .
واعلم : أنه لا ينبغي لنا أن نخوض في بيان كيفية الاطلاع ، إذ ذاك مع شاسع المسافات واختلاف مراتب أهل الجنة وأهل النار ، فإن ذلك من أمور الغيب ، التي يجب أن نؤمن بها دون بحث في شأنها ، ولا نقص ولا زيادة فيها .
فاطلع ذلك المؤمن إلى أهل النار ، فرأى قرينه في وسطها ، يتلظى بحرها وشديد لهبها ،
قالَ
ذلك القائل المؤمن ، مخاطبا لقرينه ، متشمتا به حين رآه على صورة قبيحة ، وقال خليل العصري : رآه تبدلت حالته ، فلولا ما عرّفه اللّه به ، لم يعرفه ، فقال له عند ذلك :
تَاللَّهِ
؛ أي : أقسمت لك باللّه المنتقم
إِنْ
؛ أي : إن الشأن
كِدْتَ
؛ أي : قاربت
لَتُرْدِينِ
؛ أي : لتهلكني بالإغواء .
والردى : الهلاك ، والإرداء : الإهلاك ، أصله : ترديني بياء المتكلم ، فحذفت اكتفاء بالكسرة ، كما سيأتي ؛ أي : إن الشأن ، قاربت لتهلكني بدعائك إياي ، إلى إنكار البعث والقيامة ، وقرئ « 1 » : لتغوين ؛ أي : لتضلني عن الدين ،
وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي
علي بهدايتي إلى الحق ، وعصمتي من الباطل
لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
؛ أي : من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك ، وفي « التأويلات
هامش
( 1 ) البيضاوي والمراح .