المجتهدون ، فإن هذه هي التجارة الرابحة ، لا للحظوظ الدنيوية السريعة الانقطاع ، المشوبة بفنون الآلام والبلايا والصداع ، فإنها صفقة خاسرة نعيمها منقطع ، وخيرها زائل ، وصاحبها عن قريب منها راحل ، وقيل « 1 » : إن هذا من كلامه سبحانه وتعالى ، فهو ترغيب في طلب ثواب اللّه بطاعته ، ويقال : المعنى حينئذ : فليحتمل المحتملون الأذى ؛ لأنه قد حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات ، كما قال بعضهم :
حفّت الجنّة بمكروهاتنا * وحفّت النّيران من شهواتنا
يعني : جعلت الجنة محفوفة بالأشياء التي كانت مكروهة لنا ، وجعلت النار محاطة بالأشياء التي هي محبوبة لنا ، فما بين المرء وبين الجنة حجاب إلا المكاره ، وهو حجاب عظيم صعب خرقه ، وما بين النار وبينه حجاب إلا الشهوات ، وهو حجاب حقير سهل لأهله ، والعياذ باللّه سبحانه ، من الإقبال على الشهوات ، والإدبار عن الكرامات في الجنات ، وقيل : من قول الملائكة ، والأول أولى .
والهمزة في قوله :
أَ ذلِكَ
للاستفهام التقريري . والمراد « 2 » : حمل الكفار على إقرار مدخولها ، وذلك إشارة إلى نعيم الجنة ، وهو مبتدأ ، خبره
خَيْرٌ
وهو وارد على سبيل التهكم والاستهزاء بهم ، وانتصاب
نُزُلًا
على التمييز أو على الحالية ، وهو ما يهيأ من الطعام النفيس للقادم ؛ أي : الضيف ومنه : إنزال الأجناد لأرزاقهم ؛ أي : أنعيم الجنة ، ورزقها المعلوم للمؤمنين خير طعاما
أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ
؛ أي : ثمرها الذي كان طعام أهل النار ، فأيهما خير في كونهما نزلا ، والزقوم اسم شجرة صغيرة الورق ، مرة كريهة الرائحة ، تكون بتهامة يعرفها المشركون ، سميت بها الشجرة الموصوفة بقوله :
إِنَّها شَجَرَةٌ . . .
إلخ ، والإضافة فيها من إضافة المسمى إلى الاسم ، واختلف « 3 » فيها ، هل هي من شجر الدنيا ، التي يعرفها العرب ، أم لا ؟ على قولين :
هامش
( 1 ) روح البيان .
( 2 ) روح البيان .
( 3 ) الشوكاني .