تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
أحدهما : أنها معروفة من شجر الدنيا ، فقال قطرب : إنها شجرة مرة ، تكون بتهامة ، من أخبث الشجر ، وقال غيره : هو كل نبات قاتل ، فعلى هذا ، ففي الكلام استعارة . والقول الثاني : أنها عبارة عن أطعمة كريهة في النار ، وفي ذكره
نُزُلًا
دلالة على أن ما ذكره من النعيم لأهل الجنة ، بمنزلة ما يعد ويرفع للنازل ، ولهم وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام ، وكذلك الزقوم لأهل النار . والمعنى : أهذا الرزق المعلوم الذي أعطيته لأهل الجنة ، كرامة مني لهم خير ، أم ما أوعدت به أهل النار ، من الزقوم المر البشع . والحاصل : أن اللّه سبحانه ، أمر رسوله أن يورد ذلك على كفار قومه ، ليصير ذلك زاجرا لهم عن الكفر والمعاصي ، وهذا ضرب من التهكم والسخرية بهم ، وهو أسلوب كثير الورود في القرآن الكريم . قال قتادة : لما ذكر اللّه سبحانه هذه الشجرة ، افتتن بها الكفار ، فقالوا : كيف تكون في النار شجرة ؟ ، فأنزل اللّه سبحانه
إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ
( 63 ) ؛ أي : إنا جعلنا تلك الشجرة ابتلاء ، واختبارا للكافرين . فهم حين سمعوا أنها في النار قالوا : كيف يكون ذلك ، والنار تحرق الشجر ، مع أن هذا ليس بالعجيب ولا بالمستحيل ، فإن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار وينعم فيها كحيات جهنم مثلا فهو أقدر على خلق الشجر فيها ، وحفظه من الاحتراق . وقيل المعنى « 1 » : أنا جعلناها فتنة ؛ أي : عذابا لهم في الآخرة ، فإن الفتن تأتي بمعنى الإحراق ، وابتلاء لهم في الدنيا حيث فتنوا وضلوا عن الحق بسببها ، فإن الفاتن قد يطلق على المضل عن الحق ، فإن الكفار لما سمعوا كون هذه الشجرة في النار ، فتنوا به في دينهم ، وتوسلوا به إلى الطعن في القرآن ، والنبوة والتمادي في الكفر .
هامش
( 1 ) روح البيان .