تقتضيه الحكمة ، ويوجبه العدل بين العباد . فيعطي كل عامل جزاء ما قدمت يداه إن خيرا فخير وإن شرا فشر . ثم فصل بعض ما استحقوا لأجله العذاب ، فقال :
إنهم كانوا إذا لقنوا كلمة التوحيد نفروا منها ، وأعرضوا عن قبولها ، وصعروا خدودهم أنفة وكبرا أن يسمعوا مثلها .
واعلم : أنه وقع ذكر
لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
في القرآن في موضعين :
أحدهما : في هذه السورة .
والثاني : في سورة القتال في قوله :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
. وليس في القرآن لهما ثالث .
ثم ذكروا السبب الذي لأجله امتنعوا من استجابة دعوته ، فيما حكاه عنهم بقوله :
وَيَقُولُونَ
؛ أي : المشركون بعضهم لبعض . والهمزة في قوله :
أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا
للاستفهام الإنكاري ؛ أي : ما نحن بتاركي عبادة آلهتنا وهي الأصنام .
لِشاعِرٍ
؛ أي : لأجل قول شاعر
مَجْنُونٍ
؛ أي : مغلوب على عقله ، يعنون محمدا صلى اللّه عليه وسلم ؛ أي : أنترك عبادة الآلهة التي ورثناها عن آبائنا كابرا عن كابر ، ونستمع لقول شاعر يخلط ويهذي . فمثله لا يستمع لكلامه ، ولا يصغي إلى قوله .
ولقد كذبوا في ذلك حيث جنّنوه وشعّروه ، وقد علموا أنه أرجح الناس عقلا ، وأحسنهم رأيا ، وأشدهم قولا ، وأعلاهم كعبا في المآثر والفضائل كلها ، وأطولهم باعا في العلوم والمعارف بأسرها . ويشهد بذلك خطبة أبي طالب في تزويج خديجة الكبرى في محضر بني هاشم ، ورؤساء مضر على ما سبق في سورة آل عمران عند قوله تعالى :
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . . .
الآية .
وقد جمعوا في كلامهم هنا بين إنكار الوحدانية وإنكار الرسالة . فإنكار الأولى في استكبارهم حين سماع كلمة التوحيد ، وإنكار الثانية في قولهم :
أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ
.
ثم كذبهم سبحانه ، فيما قالوا ، فقال :
بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ
؛ أي : ليس الأمر على ما قالوه من الشعر والجنون ، بل جاء محمد صلى اللّه عليه وسلم بالحق . وهو التوحيد .