تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
وعدم تأنيث الرميم ، مع وقوعه خبرا للمؤنثة ، حيث لم يقل : وهي رميمة ، لأنه اسم لما بلي من العظام ، غير صفة كالرفات والرمة . والأولى : أن يقال : إنه فعيل بمعنى فاعل أو مفعول ، وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث ، كما قيل في جريح وقتيل . ومعنى الآية :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ
؛ أي : وذكر أمرا عجيبا ينفي به قدرتنا على إحياء الخلق ، ف
قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
ونسي خلقنا له ، أفلم يكن نطفة فجعلناه خلقا سويا ناطقا . ولا شك أن من فعل ذلك ، لا يعجزه أن يعيد الأموات أحياء ، والعظام الرميم بشرا كهيئتهم التي كانوا عليها قبل الفناء . وإجمال ذلك : أن بعض المشركين استبعدوا إعادة اللّه ، ذي القدرة العظيمة ، التي خلقت السماوات والأرض ، للأجساد والعظام الرميم ، ونسوا أنفسهم ، وأنه تعالى خلقهم من العدم ، فكيف هم بعد هذا ، يستبعدون أو يجحدون . ونحو الآية ، حكاية عن المشركين قوله :
وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
، وقوله أيضا ، على طريق الحكاية :
قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
( 82 )
أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ
. ثم أمر اللّه سبحانه ، نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، أن يجيبهم عن استبعادهم ويبكتهم بتذكيرهم بما نسوه من حقيقة أمرهم ، وخلقهم من العدم ، فقال :
قُلْ
يا محمد ، تبكيتا لذلك الإنسان ، المنكر للبعث ، بتذكير ما نسيه من الفطرة ، الدالة على حقيقة الحال .
يُحْيِيهَا
؛ أي : يحيي تلك العظام الخالق
الَّذِي أَنْشَأَها
؛ أي : خلقها وأوجدها
أَوَّلَ مَرَّةٍ
؛ أي : في أول مرة ولم تكن شيئا ، ومن قدر على النشأة الأولى ، قدر على النشأة الثانية . فإن قدرته كما هي لاستحالة التغير فيها ، والمادة على حالها في القابلية اللازمة لذاتها . وهو من النصوص القاطعة ، الناطقة بحشر الأجساد ، استدلالا بالابتداء على الإعادة . وفيه رد على من لم يقل به ، وتكذيب له .