تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
بالعظام ، وأين تفرقت في سائر أقطار الأرض ، وأين ذهبت ؟ ، لا يخفى عليه شيء من أمر خلقه ، فهو يعيده على النمط السابق والأوضاع التي كان عليها مع قواه السالفة . ثم ذكر دليلا ثانيا يرفع استبعادهم ، ويبطل إنكارهم . فقال :
الَّذِي جَعَلَ
وخلق
لَكُمْ
؛ أي : لمنفعتكم
مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ
؛ أي : الرطب
ناراً
محرقة ، بدل من الموصول الأول ، وعدم الاكتفاء بعطف الصلة للتأكيد ، ولتفاوتهما في كيفية الدلالة ؛ أي : الذي خلق لأجلكم ومنفعتكم من الشجر الرطب الندي ، كالمرخ والعفار نارا محرقة . فنبه « 1 » سبحانه ، على وحدانيته ، ودل على قدرته على إحياء الموات بما يشاهدونه ، من إخراج النار المحرقة ، من العود الندي الرطب . وذلك أن الشجر المعروف بالمرخ ، والشجر المعروف بالعفار ، إذا قطع عودان وضرب أحدهما على الآخر ، انقدحت منهما النار ، وهما أخضران . قيل : المرخ هو الذكر ، والعفار هو الأنثى . ويسمى الأول الزند ، والثاني الزندة . والمرخ « 2 » بالخاء المعجمة : شجر سريع الورى . والعفار بالعين المهملة كسحاب : شجر معروف تقدح منه النار . قال الحكماء : لكل شجر نار إلا العناب . فمن ذلك يدق القصار الثوب عليه ، ويتخذ منه المطرقة ، والعرب تتخذ زنودها من المرخ والعفار ، وهما موجودان في أغلب المواضع من بوادي العرب ، يقطع الرجل منهما غصنين كالمسواكين ، وهما أخضران يقطر منهما الماء ، فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو أنثى فتنقدح النار بإذن اللّه تعالى . وذلك قوله تعالى :
فَإِذا أَنْتُمْ
أيها المشركون
مِنْهُ
؛ أي : من الشجر الأخضر ، متعلق ب
تُوقِدُونَ
. و ( إذا ) للمفاجأة ؛ أي : تشتعلون النار وتقدحونها من ذلك الشجر ، لا تشكون في أنها نار تخرج منه ، كذلك لا تشكون في أن اللّه يحيي الموتى ، ويخرجهم من القبور للسؤال والجزاء من الثواب والعقاب . فإن من قدر على إحداث النار ، وإخراجها من الشجر الأخضر ، مع ما فيه من المائية المضادة لها بكيفية ، كان أقدر على إعادة الغضاضة إلى ما كان غضا فطرأ عليه اليبوسة
هامش
( 1 ) الشوكاني . ( 2 ) روح البيان .