تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
والبلى . وعلم منه أن اللّه تعالى ، جامع الأضداد ، ألا ترى : أنه جمع الماء والنار في الشجر ، فلا الماء يطفئ النار ، ولا النار تحرق الشجر . وقرأ الجمهور :
الْأَخْضَرِ
اعتبارا باللفظ . وقرئ الخضراء اعتبارا بالمعنى . وقد تقرر ، أنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه كما في قوله تعالى :
نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
وقوله :
نَخْلٍ خاوِيَةٍ
. فبنو تميم ونجد يذكرونه ، وأهل الحجاز يؤنثونه إلا نادرا . والمعنى « 1 » : أي وهو الذي بدأ خلق الشجر من ماء ، حتى صار أخضر ناضرا ، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا توقد به النار ، ومن فعل ذلك ، فهو قادر على ما يريد ، لا يمنعه شيء . إذ من أحدث النار في الشجر الأخضر على ما فيه من المائية المضادة للاحتراق ، فهو أقدر على إعادة الغضاضة إلى ما كان غضا ، فيبس وبلي . ثم ذكر بعد ذلك بدليل ثالث على قدرته ، أعجب من سابقيه ، فقال :
أَ وَلَيْسَ
الهمزة « 2 » فيه للإنكار ، وإنكار النفي إيجاب ، فصار الاستفهام تقريريا ، كما هو القاعدة عندهم ، خلافا لمن تغافل عنها ، فجعل الاستفهام في أمثال هذه المواضع إنكاريا . داخلة على مقدر يقتضيه المقام ، والواو عاطفة على ذلك المقدر . فهمزة الاستفهام ، وإن دخلت على حرف العطف ظاهرا ، لكنها في التحقيق ، داخلة على كلمة النفي قصدا ، إلى إثبات القدرة له وتقريرها . والمعنى : أليس القادر المقتدر ، الذي أنشأ الأناسي أول مرة ، وأليس الذي جعل لهم من الشجر الأخضر نارا ، وأليس
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ
؛ أي : الأجرام العلوية وما فيها
وَالْأَرْضَ
؛ أي : الأجرام السفلية وما عليها مع كبر جرمهما وعظيم شأنهما
بِقادِرٍ
في تقدير النصب ؛ لأنه خبر ليس ؛ أي : قادرا
عَلى أَنْ يَخْلُقَ
في الآخرة
مِثْلَهُمْ
؛ أي : مثل الأناسي في الصغر والحقارة بالنسبة إليهما ، ويعيدهم أحياء كما كانوا . فإن بدهية العقل قاضية بأن من قدر على
هامش
( 1 ) المراغي . ( 2 ) روح البيان .