حين جحدوا آيات اللّه تعالى ، وكذّبوا رسله ، وكانوا على مثل ما أنتم عليه من الشرور ، والآثام ، ولستم بأكرم على اللّه منهم ، فاحذروا أن يحلّ بكم من العقاب مثل ما حل بهم ، وينزل بكم من سخطه مثل ما نزل بهم .
وفي هذا من الوعيد لمكذبي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مشركي قريش ، وتهديدهم بشديد العذاب إن لم ينتهوا عما هم عليه من تكذيب رسوله ما لا يخفى .
روي عن الشعبي أنه قال « 1 » : خرج أسد وذئب وثعلب ، يتصيّدون ، فاصطادوا حمار وحش ، وغزالا ، وأرنبا ، فقال الأسد للذئب : اقسم لنا ، فقال :
حمار الوحش للملك ، والغزال لي ، والأرنب للثعلب ، قال : فرفع الأسد يده ، وضرب رأس الذئب ضربة ، فإذا هو منجدل بين يدي الأسد ، ثم قال للثعلب :
اقسم هذه بيننا ، فقال : الحمار يتغدى به الملك ، والغزال يتعشى به ، والأرنب ما بين ذلك ، فقال الأسد : ويحك ما أقضاك من علّمك هذا القضاء ؟ فقال : القضاء الذي نزل برأس الذئب ، ولذلك قيل : العاقل من وعظ بغيره .
ثم خاطب رسوله صلى اللّه عليه وسلم بما هو ردع للناس كافة فقال :
وَكَفى بِرَبِّكَ
، أي كفى كون ربك يا محمد
بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
، أي : من جهة كونه خبيرا ، أي : عالما ببواطن الأمور ، وحقائقها ، بصيرا : أي : عالما بظواهرها ، وشواهدها ، فيعاقب عليها ، وتقديم « 2 » الخبير مع أنه مضاف إلى الغيوب والأمور الباطنة ، والبصير مضاف إلى الأمور الظاهرة ، كالشهيد لتقدم متعلقه من الاعتقادات والنيات التي هي مبادئ الأعمال الظاهرة وفيه « 3 » إشارة إلى أنّ البعث والأمر ، وما يتلوهما من فسقهم ليس لتحصيل العلم بما صدر عنهم من الذنوب ، فإن ذلك حاصل قبل ذلك ، وإنما هو لقطع الأعذار ، وإلزام الحجة من كل وجه .
وفي الآية « 4 » : بشارة عظيمة لأهل الطاعة ، وتخويف شديد لأهل المعصية ؛ لأن العلم التّامّ ، والخبرة الكاملة ، والبصيرة النافذة تقتضي إيصال الجزاء إلى
هامش
( 1 ) روح البيان .
( 2 ) روح البيان .
( 3 ) روح البيان .
( 4 ) الشوكاني .