كراهة أن يفقهوا ما ذكّروا به ، وجعلنا في آذانهم ثقلا لئلّا يسمعوه ، والمراد : أنه لا يدع شيئا من الخير يصل إليها ، فهي لا تعي شيئا من الآيات إذا تليت عليها ، ذلك أنهم فقدوا الاستعداد لقبول الرشاد بما دنّسوا به أنفسهم من قبيح الأفعال والأقوال ، وبما اجترحوا من الكفر ، والفسوق ، والعصيان ، فأصبح بينهم وبين سماع الحق حجاب غليظ ، فلا ينفذ إلى السمع شيء مما يسمع سماع تدبّر واتّعاظ ، ولا إلى القلب شيء مما يقال فيعيه وينتفع به ، كما قال :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
14 وقال :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
7 وقد تكرر هذا المعنى في غير موضع من الكتاب الكريم .
ثم ذكر سبحانه أثر هذا الختم على القلوب
وَإِنْ تَدْعُهُمْ
يا محمد
إِلَى الْهُدى
؛ أي : إلى طريق الفلاح ، وهو دين الإسلام
فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً
؛ أي :
لن يوجد منهم اهتداء أبدا ، أي : مدة التكليف كلها البتة إن دعوتهم إلى الهدى ؛ لأنه محال منهم ، وتقييده « 1 » بالأبدية مبالغة في انتفاء هدايتهم ، أي : ومهما كررت أيها الرّسول من الدعوة إلى الحق حرصا منك على نجاتهم ، وخشية نزول البلاء بهم ، فلن يستجيبوا لك ، ولن يهتدوا بهديك ، لأن الله قد كتب عليهم الضلال بسوء أعمالهم ، وقبح طواياهم ، فأنى يفيد النصح وتجدي العظة ، ويرق القلب .
وخلاصة المعنى « 2 » : كأنه صلى اللّه عليه وسلم حرصا منه على هداهم قال : ما لي أدعوهم رجاء أن تنكشف تلك الأكنّة ، وتمزّق بيد الدعوة ، فقيل له : وأنى لك ذلك
وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً
وقد جاءت هذه الآية في قوم علم اللّه أنهم سيموتون على الكفر من مشركي مكة .
ثم بيّن أنّه سبحانه لا يعجل العقوبة لعباده على ما يجترحون من الفسوق والآثام رجاء أن ينيبوا إليه فقال :
وَرَبُّكَ
يا محمد مبتدأ ، خبره
الْغَفُورُ
؛ أي : البليغ في المغفرة ، وهي صيانة العبد عما استحقه من العقاب ، للتجاوز عن
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
( 2 ) المراغي .