ثم بيّن السبب في عدم استحقاق إبليس وذريته هذه الولاية في أنفسهم بعد بيان خباثة أصلهم ، فقال :
ما أَشْهَدْتُهُمْ
؛ أي : ما أحضرت إبليس وذريته
خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
لأعتضد بهم في خلقهما ، وأشاورهم في تدبير أمرهما ، حيث خلقتهما قبل خلقهم ، وفيه « 1 » ردّ لمن يدّعي أن الجن يعلمون الغيب ؛ لأنهم لم يحضروا خلق السماوات والأرض حتى يطّلعوا على مغيّباتهما ،
وَلا
أشهدتهم
خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ
؛ أي : ولا أشهدت بعضهم خلق بعضهم ، كقوله تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
.
والمعنى : أي « 2 » ما أحضرت إبليس وذريّته خلق السماوات والأرض ، ولا أشهدت بعضهم خلق بعض فكيف تطيعونهم ، وتعبدون الأصنام من دوني ، وهم عبيد أمثالكم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا .
وقصارى ذلك « 3 » : ما أطلعتهم على أسرار التكوين ، وما خصّصتهم بخصائص لا تكون لسواهم ، حتى يقتدي الناس بهم ، فأنا المستقل بخلق الأشياء كلها ، ومدبرها ليس لي في ذلك شريك ولا وزير .
وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ
؛ أي : الشّياطين الذين يضلون الناس عن الدين ، والأصل « 4 » متخذهم ، فوضع المظهر موضع المضمر ، ذما لهم وتسجيلا عليهم بالإضلال ،
عَضُداً
؛ أي : أعوانا في شأن الخلق وفي شأن من شئوني حتى يتوهم شركتهم في التولي ، بناء على الشركة في بعض الأحكام الربوبية ، وقال في « القاموس » : العضد النّاصر ، والمعين ، وهم عضدي وأعضادي ، انتهى .
والمعنى : ما استعنت على خلق السماوات والأرض بهم ، ولا شاورتهم ، وما كنت متخذ الشياطين أو الكافرين أعوانا ، ووحّد العضد لموافقة الفواصل ؛ أي : وما كنت متّخذ من لا يهدون إلى الحق أعوانا وأنصارا ، لأنهم يضلون ، فمتبعهم يحور عن قصد السبيل ، ولا يصل إلى هدى فكيف اتبعوهم وعبدوا
هامش
( 1 ) روح البيان .
( 2 ) المراغي .
( 3 ) المراغي .
( 4 ) روح البيان .