تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦

التفسير وأوجه القراءة

ثمّ إنه تعالى عاد إلى الرد على أرباب الخيلاء من قريش ، فذكر قصّة آدم ، واستكبار إبليس فقال :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ
؛ أي : واذكر يا محمد لقومك قصّة وقت قولنا للملائكة :
اسْجُدُوا
يا ملائكتي
لِآدَمَ
سجود تحية وتكريم ، لا سجود عبادة ، وكان ذلك مشروعا في الأمم السالفة ، ثم نسخ بالسلام
فَسَجَدُوا
؛ أي : فسجدت الملائكة جميعا ، امتثالا لأمر اللّه وطاعة لطلبه السجود
إِلَّا إِبْلِيسَ
اللعين فإنه أبى واستكبر ، ولم يسجد ، وكأنه قيل : ما باله لم يسجد ؟ فقيل :
كانَ مِنَ الْجِنِّ
؛ أي : كان أصله جنيا خلق من نار السموم ، ولم يكن من الملائكة ، فلهذا عصى ، فالجملة مستأنفة مسوقة لبيان سبب عصيانه . وإنّما صح « 1 » الاستثناء المتّصل لأنه أمر بالسجود معهم ، فغلبوا عليه في قوله
فَسَجَدُوا
ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلا كقولك : خرجوا إلّا فلانة ، لامرأة بين الرجال .
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
؛ أي : خرج عن طاعته بترك السجود ، فالأمر على حقيقته جعل عدم امتثاله للأمر خروجا عنه ، ويجوز أن يكون المراد المأمور به ، وهو السجود ، والفاء للسببية لا للعطف ؛ أي : كونه من الجن سبب فسقه ، ولو كان ملكا . . لم يفسق عن أمر ربه ؛ لأن الملك معصوم دون الجن والإنس . والمعنى « 2 » : واذكر - أيها الرسول - لقومك وقت قولنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود تحية وتكريم اعترافا بفضله ، واعتذارا عما قالوه في شأنه من نحو قولهم :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
فسجدوا كلهم أجمعون امتثالا إلا إبليس ، ثم بيّن السّبب في عصيانه ، ومخالفته للأمر فقال :
كانَ مِنَ الْجِنِّ
؛ أي : إن الذي منعه من السجود أنّه كان جنّيا بين أظهر الألوف من الملائكة مغمورا بينهم متّصفا بصفاتهم ، بدليل أنه قال :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *
، ولأنه أثبت له في هذه الآية ذرية ونسلا ، والملائكة لا ينسلون ، ولأن الملائكة لا يستكبرون
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) المراغي .