وأن يعيّن لهم مجلسا ، وللسادة مجلسا آخر ، حتى لا يؤذوهم بمناظرهم وروائحهم المستقذرة ، وحتّى لا يقال : إنّ السّادة ومواليهم يجتمعون في صعيد واحد ، ويتحدثون وإياهم حديث الند للند ، وفي ذلك امتهان لكبريائهم ، وخفض من عزتهم . . أردف ذلك بمثل يستبين منه أن المال لا ينبغي أن يكون موضع فخار ؛ لأنه ظل زائل ، وأنه كثيرا ما يصير الفقير غنيا ، والغني فقيرا ، وإنّما الذي يجب أن يكون أساس التفاخر وعمدة التفاضل ، هو : طاعة اللّه وعبادته ، والعمل على ما يرضيه في دار الكرامة ، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم .
قوله تعالى :
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ . . .
الآيات ، مناسبة هذه الآيات لما قبلها : أن اللّه سبحانه وتعالى لمّا « 1 » أبان أن الدنيا ظل زائل ، وأنه لا ينبغي أن يغترّ أحد بزخرفها ونعيمها ، بل يجب أن يكون موضع التفاخر العمل الصالح الذي فيه رضا اللّه ، وانتظار مثوبته في جنات تجري من تحتها الأنهار . .
أردف ذلك بذكر أحوال يوم القيامة ، وما يكون فيها من أخطار وأهوال ، وأنه لا ينجي منها إلّا اتباع ما أمر به الدين ، وترك ما نهى عنه مما جاء على لسان الأنبياء والمرسلين ، لا الأموال التي يفتخر بها المشركون على المؤمنين .
التفسير وأوجه القراءة
قوله :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ
هذا المثل ضربه اللّه تعالى لمن يتعزز ويفتخر بالدنيا ، ويستنكف عن مجالسة الفقراء ، فهو على هذا متّصل بقوله :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ
وَاضْرِبْ
هنا بمعنى اجعل ، يتعدى إلى مفعولين
لَهُمْ
متعلّق به
مَثَلًا
مفعول ثان ،
رَجُلَيْنِ
مفعول أول ، أي واجعل يا محمد رجلين موصوفين بالصفات الآتية ،
مَثَلًا
وشبها لهؤلاء المشركين باللّه الذين سألوك أن تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ ، وللمؤمنين المكابدين لمشاق الفقر ؛ أي : مثل حال هؤلاء الكافرين والمؤمنين بحال « 2 » رجلين شريكين في بني إسرائيل ، أحدهما
هامش
( 1 ) المراغي .
( 2 ) المراح .