تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
وتعليم الناس ما يجب عليهم تعلّمه ، ولكن طبيعة الملك لا تصلح للاجتماع بالبشر ، فلا يسهل عليهم التخاطب والتفاهم معهم ، لبعد ما بين الملك وبينهم ، ومن ثم لم نبعث إليهم ملائكة ، بل بعثنا خواصّ البشر ؛ لأنّ اللّه قد وهبهم نفوسا زكيّة ، وأيدهم بأرواح قدسية ، وجعل لهم ناحية ملكية بها يستطيعون أن يتلقوا من الملائكة ، وناحية بشرية بها يبلّغون رسالات ربهم إلى عباده . وإجمال القول في ذلك : أنه لو جعل الرسل ملائكة . . لما استطاع الناس التخاطب معهم ، ولما تمكنوا من الفهم منهم ، فلزم أن يجعلوا بشرا حتى يستطيعوا أداء الرسالة ، كما قال تعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
9 وقد ثبت أن جبريل عليه السلام ، جاء في صورة دحية الكلبيّ مرارا عدة ، فقد صح أنّ أعرابيا جاء وعليه وعثاء السفر ، فسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الإسلام ، والإيمان ، والإحسان ، فأجابه عليه السلام بما أجابه ، ثم انصرف ، ولم يعرفه أحد من الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم » . ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد فقال :
قُلْ
لهم يا محمد من جهتك
كَفى بِاللَّهِ
وحده
شَهِيداً
على أني بلّغت ما أرسلت به إليكم ، وأنّكم كذبتم وعاندتم ، وقال :
بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
، ولم « 1 » يقل : بيننا تحقيقا للمفارقة الكلية ، وقيل : إنّ إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من اللّه له على الصدق . أي قل « 2 » : إنّ اللّه تعالى لما أظهر المعجزة ، وفق دعواي ، كان ذلك شهادة منه على صدقي ، ومن شهد له اللّه . . فهو صادق ، فادعاؤكم أنّ الرسول يجب أن يكون ملكا تحكم منكم وتعنّت . وخلاصة ذلك : أن اللّه شاهد عليّ وعليكم ، عالم بما جئتكم به ، فلو كنت
هامش
( 1 ) الشوكاني . ( 2 ) المراغي .