عليك ، كأن رحمته تتوكل وتتكفل بالرد عليك ، فالاستثناء متصل ، وفي « السمين » في الاستثناء قولان : أحدهما : أنه استثناء متصل ؛ لأن الرحمة تندرج في قوله :
وَكِيلًا
؛ أي : إلّا رحمة فإنها إن نالتك فلعلّها تسترده عليك ، والثاني أنه منقطع فيقدر ب ( لكن ) عند البصريين ، وب ( بل ) عند الكوفيين ، والمعنى « 1 » : أي :
لكن أبقيناه إلى قرب قيام الساعة رحمة من ربك ، فعند ذلك يرفع من الصدور والمصاحف .
إِنَّ فَضْلَهُ
ولطفه سبحانه وتعالى
كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً
؛ أي :
عظيما إذ أرسلك للناس بشيرا ونذيرا ، وأنزل عليك الكتاب وأبقاه في حفظك ، ومصاحفك ، وفي حفظ أتباعك ، ومصاحفهم ، وصيرك ولد آدم وختم بك النبيين والمرسلين وأعطاك المقام المحمود ، وغير ذلك ،
ثمّ نبه إلى شرف القرآن العظيم ، وكبير خطره ، فقال :
قُلْ
يا محمد للذين لا يعرفون جلالة قدر التنزيل ، بل يزعمون أنه من كلام البشر ، واللّه
لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ
، أي :
اتّفقوا ، وتعاونوا
عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ
في البلاغة وكمال المعنى ، وحسن النظم ، والإخبار عن الغيب ، وفيهم العرب العرباء ، وأرباب البيان ، وأهل التحقيق
لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
؛ أي : بمثل القرآن ؛ أي : لا يأتون بكلام مماثل مشابه له في صفاته البديعة ، وهو « 2 » جواب قسم محذوف ، دلّ عليه ( اللام ) الموطئة له في قوله :
لَئِنِ اجْتَمَعَتِ
وساد مسد جزاء الشرط ، ولولاها . . لكان جوابا له بغير جزم ، لكون الشرط ماضيا ، وإنما « 3 » أظهر في مقام الإضمار ، ولم يكتف بأن يقول : لا يأتون به على أن الضمير راجع إلى المثل المذكور ، لدفع توهم أن يكون له مثل ، وللإشعار بأنّ المراد نفي المثل على أي صفة كان .
والمعنى : قل يا محمّد لمن يزعمون أن القرآن من كلام البشر متحديا لهم ، واللّه لئن اجتمعت الإنس والجن والملائكة كلهم ، واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في البلاغة ، وحسن النّظم ، وكمال المعنى . . لا يقدرون على الإتيان
هامش
( 1 ) المراح .
( 2 ) روح البيان .
( 3 ) الشوكاني .