تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
والمشمومات للشم ، والحرارة والبرودة للمس فلا يتسنى لكم إدراك ما هو غير مادي كالروح . وقال القرطبي :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
، أي : هو أمر عظيم ، وشأن كبير من أمر اللّه تعالى ، مبهما له وتاركا تفصيله ، ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه ، مع العلم بوجودها ، وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا ، كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحقّ تعالى أولى ، وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز ، انتهى . أو المعنى
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
؛ أي : شيء من الأشياء التي استأثر اللّه سبحانه بعلمها ، ولم يعلم بها أحدا من عباده ، وقيل : معنى
مِنْ أَمْرِ رَبِّي
؛ أي : من وحيه ، وكلامه لا من كلام البشر ، فعلى هذا المراد بالروح المسؤول عنه القرآن ، والقول الأول هو الظاهر الحق . وفي هذه الآية « 1 » ما يزجر الخائضين في شأن الروح المتكلفين لبيان ماهيته ، وإيضاح حقيقته أبلغ زجر ، ويردعهم أعظم ردع ، وما أحسن قول أحمد بن رسلان في « زبده » :
والرّوح ما أخبر عنها المصطفى * فنمسك المقال عنها أدبا
وقد أطالوا البحث في هذا المقام بما لا يقتضيه الحال ، وغالبه بل كله من فضول الكلام الذي لا يأتي بنفع في دين ولا دنيا ، وقد حكى بعض المحقّقين أنّ أقوال المختلفين في الروح بلغت إلى ثمانية عشر ومائة قول ، فانظر إلى هذا الفضول الفارغ ، والتعب العاطل عن النفع بعد أن عملوا أن اللّه سبحانه قد استأثر بعلمه ، ولم يطلع عليه أنبياءه ، ولا أذن لهم بالسؤال عنه ، ولا في البحث عن حقيقته فضلا عن أممهم المقتدين بهم ، فيا للّه العجب ! ! حيث تبلغ أقوال أهل الفضول إلى هذا الحد الذي لم تبلغه ، ولا بعضه في غير هذه المسألة مما أذن اللّه سبحانه بالكلام فيه ، ولم يستأثر بعلمه .
هامش
( 1 ) الشوكاني .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 210 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي