الذي برأكم على هذه الطبائع المختلفة ، وابتلاكم بهذه الأديان المختلفة
أَعْلَمُ
منا ومنكم
بِمَنْ هُوَ أَهْدى
وأسدّ ، وأصوب ، وأوضح
سَبِيلًا
؛ أي : طريقا ، ودينا فيؤتيه أجره موفورا ، وأعلم بمن هو أضل سبيلا فيعاقبه بما يستحق ؛ أي :
يعلم المهتدي ، والضال فيجازي كلّا بعمله ؛ لأنه الخالق لكم ، العالم بما جبلتم عليه من الطبائع ، وما اختلفتم فيه من الطرائق ، فهو الذي يميز بين المؤمن الذي لا يعرض عند النعمة ، ولا ييأس عند المحنة ، وبين الكافر الذي شأنه البطر للنعم ، والقنوط عند النقم .
وفي الآية « 1 » : إشارة إلى أن الأعمال دلائل الأحوال ، فمن وجد نفسه في خير وطاعة وشكر ، فليحمد اللّه تعالى كثيرا ، ومن وجدها في شر وفسق ، وكفران ، ويأس فليرجع قبل أن يخرج الأمر من يده .
وبمعنى الآية قوله سبحانه :
وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ ( 121 ) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ
122 ولا يخفى ما في هذه الآية من تهديد شديد ، ووعيد للمشركين .
ولما أجرى الكلام في ذكر الإنسان وما جبل عليه ، ذكر سبحانه سؤال السائلين لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الروح فقال :
وَيَسْئَلُونَكَ
؛ أي : ويسألك اليهود يا محمد
عَنِ
حقيقة
الرُّوحِ
الذي يحيا به البدن ، هل هو جسماني أو نوراني ، أو عن صفته أقديم هو أم حادث ؟ .
قال الفراء : الروح الذي يعيش به الإنسان لم يخبر اللّه سبحانه به أحدا من خلقه ، ولن يعط علمه أحدا من عباده ، ولذا قال :
قُلِ
لهم يا محمد في جواب سؤالهم
الرُّوحِ
الذي هو سبب حياة البدن بنفخه فيه
مِنْ أَمْرِ رَبِّي
؛ أي : شأن من شؤونه تعالى ، وفعل من أفعاله ، أحدث بتكوينه وخلقه وإبداعه من غير مادة ، وقد استأثر بعلمه ، لا يعلمه إلا هو سبحانه ؛ لأنكم لا تعلمون إلّا ما تراه حواسكم ، وتتصرف فيه عقولكم ، ولا تعلمون من المادة إلّا بعض أوصافها ، كالألوان ، والحركات للبصر ، والأصوات للسمع ، والطعوم للذوق ،
هامش
( 1 ) روح البيان .