تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وإباؤه على الشقاوة الأزلية ، إذ الأبد مرآة الأزل ، يظهر فيها صورة الحال سعادة وشقاوة . قال في « بحر العلوم » : استثني « 1 » إبليس من الملائكة وهو جنّيّ ؛ لأنه قد أمر بالسجود معهم ، فغلّبوا عليه تغليب الرجال على المرأة ، في قولك : خرجوا إلا فلانة ، ثمّ استثني الواحد منهم استثناء متصلا .
قالَ
؛ أي : إبليس اعتراضا ، وعجبا ، وتكبرا ، وإنكارا عندما وبّخه اللّه تعالى بقوله :
يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
أَ أَسْجُدُ
، وأنا مخلوق من العنصر العالي ، وهو النار
لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً
؛ أي : لمن خلقته من طين ؛ أي : ما صح مني أن أسجد له واستحال ذلك مني ، لأنّ الاستفهام فيه إنكاري ، فهو بمعنى النفي . وحاصل المعنى : أي « 2 » واذكر أيها الرسول لقومك عداوة إبليس ، استكبر وأبى أن يسجد له افتخارا عليه ، واحتقارا له ، وقال : أأسجد لمن خلقته من الطين ، وأنا مخلوق من النار ، كما جاء في الآية الأخرى
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *
فكفر بنسبة ربه إلى الجور بتخيّله أنه أفضل من آدم من قبل وأنّ الفروع ترجع إلى الأصول ، وأنّ النّار - التي هي أصله - أكرم من الطين الذي هو أصل آدم ، وقد فاته أنّ الطّين أنفع من النار ، ولئن سلم غير هذا ، فالأجسام كلّها من جنس واحد ، واللّه هو الذي أوجدها من العدم ، ويفضل بعضها على بعض ، بما يحدث فيها من الأعراض ، فاستحقّ اللعن والطرد والبعد .
قالَ
؛ أي : إبليس أيضا بعد الاستنظار لربه ، جرأة وكفرا ، والربّ يحلم وينظر
أَ رَأَيْتَكَ
؛ أي : أخبرني يا إلهي
هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ
، أي : أخبرني عن هذا الذي فضّلته علي ، لم فضلته علي ، وقد خلقتني من نار ، وخلقته من طين ، وهل يوجد ما يدعو إلى تفضيله عليّ ، وهذا كلام قاله على وجه التعجب والإنكار ؛ أي :
هامش
( 1 ) السمرقندي . ( 2 ) المراغي .