قوله أنّي معكم معية الإعانة والنصر والتأييد في مواطن الجد ، ومقاساة شدائد القتال ، وهذه منة خفية أظهرها اللّه تعالى ليشكروه عليها .
وقال الزجاج « 1 » : كان التثبيت لهم بأشياء يلقونها في قلوبهم ، تصح بها عزائمهم ، ويتأكد جدهم ، وللملك قوة إلقاء الخير ، ويقال له : إلهام ، كما إن للشيطان قوة إلقاء الشر ، ويقال لها وسوسة . وقوله :
سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ
والخوف منكم تفسير لقوله :
أَنِّي مَعَكُمْ
كأنه قيل : أني معكم في إعانتكم بإلقاء الرعب في قلوبهم ، فلا يكون لهم ثبات ، وكان ذلك نعمة من اللّه تعالى على المؤمنين ، حيث ألقى الخوف منهم في قلوب المشركين ، وقوله :
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ
كالتفسير لقوله :
فَثَبِّتُوا
وهو أمر للمؤمنين ، أو للملائكة ، وفيه دليل على أنّهم قاتلوا ، قال ابن الأنباري : ما كانت الملائكة تعرف كيف تقاتل بني آدم ، فعلمهم اللّه تعالى ذلك بقوله : فاضربوا يا ملائكتي فوق الأعناق
وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ
« 2 » ؛ أي : فاضربوا رؤوسهم ، واضربوا أطراف الأصابع ؛ أي : اضربوا أيها المؤمنون ، أو يا ملائكتي في جميع أعضاء المشركين من أعاليها إلى أسافلها ، كيف شئتم ؛ لأن اللّه تعالى ذكر الأشرف والأخس ، فهو إشارة إلى جميع الأعضاء .
ومعنى :
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ
؛ أي : فاضربوا الأعناق وما فوقها ، وهي الرؤوس ، ومعنى
وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ
؛ أي : واضربوا أطراف أصابع اليدين ، سميت « 3 » بذلك ، لأنّ بها صلاح الأشياء التي يمكن الإنسان أن يعملها بيديه ، وإنما خصّت بالذكر دون سائر الأطراف ، لأجل أن الإنسان بها يقاتل ، وبها يمسك السلاح في الحرب ، وقيل : إنه سبحانه وتعالى أمرهم بضرب أعلى الجسد وهو الرأس ، وهو أشرف الأعضاء وبضرب البنان ، وهو أضعف الأعضاء ، فيدخل في ذلك كلّ عضو في الجسد ، وقيل : أمرهم بضرب الرأس ، وفيه إهلاك الإنسان ، وبضرب البنان وفيه تعطيل حركة الإنسان عن الحرب ؛ لأنه بالبنان يتمكن من مسك
هامش
( 1 ) المراغي .
( 2 ) المراح .
( 3 ) الخازن .