تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
غوايته ، فإذا هم أولو بصيرة يربئون أنفسهم أن تطيعه فهو إنّما تأخذ وسوسته الغافلين من ربهم ، الذين لا يراقبونه في شؤونهم وأعمالهم ، ولا شيء أقوى على طرد وسواس الشيطان من ذكر اللّه ، ومراقبته في السر والعلن من قبل أن يقوي في النفس حب الحق ، وداعي الخير ، ويضعف فيها الميل إلى الشرور والآثام . فقويّ الروح بالإيمان والتقوى غير قابل لتأثير الشيطان في نفسه ، لكن الشيطان دائما يتحين الفرص وعروض بعض الأهواء النفسية ، من شهوة أو غضب أو داعية حسد أو انتقام ، حتى إذا وجد الفرصة سانحة افترصها ، ولابس النفس وقوىّ فيها داعي الشر ، كالحشرات القذرة التي تعرض للنظيف إذا أهملها بالغفلة عنها فعلت فعلها ، وإذا تداركها نجا من شرها وضرّها . وإن الإنسان ليشعر بتنازع دواعي الخير والشر في نفسه ، وإن لداعية الخير والحق مسلكا يقويها ، ولداعية الشر والباطل شيطانا يقويها ، وقد بين النبي صلى اللّه عليه وسلّم ذلك بقوله : « إن للشيطان لمة بابن آدم ، وللملك لمة ، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر ، وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك . . فليعلم أنه من اللّه فليحمد اللّه على ذلك ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان ثم قرأ :
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ
. وقرأ النحويان « 1 » : أبو عمرو والكسائي وابن كثير : طيف فيحتمل أن يكون مصدرا من طاف يطيف طيفا ، كباع يبيع بيعا ، ويحتمل أن يكون مخففا من طيف ، كميت وميت ، وليّن ولين ، وقرأ باقي السبعة
طائِفٌ
اسم فاعل من طاف ، وقرأ ابن جبير : طيف بالتشديد ، وهو فيعل ، وقرأ ابن الزبير : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تأملوا فإذا هم مبصرون وفي مصحف أبي إن الذين اتقوا إذا طاف من الشيطان طائف تأملوا فإذا هم مبصرون . وينبغي أن يحمل هذا ، وقراءة ابن الزبير على أن ذلك من باب التفسير ، لا على أنّه قرآن ، لمخالفته سواد ما أجمع عليه المسلمون من ألفاظ القرآن .
هامش
( 1 ) البحر المحيط .