تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
وخلاصة ذلك : أنّ سنة اللّه قد مضت في الأمم والأفراد بأن يكون عقابهم بمقتضى الأسباب التي قام بها نظام الخلق ، فالظالم إذا لم ينزل به العقاب عقب ظلمه ازداد بغيا وظلما ، ولا يحسب للعواقب حسابا ، فيسترسل في ظلمه إلى أن تحيق عاقبة ظلمه في الدنيا بأخذ الحكام له ، أو بوقوعه في المصائب والمهالك ، وله في الآخرة عذاب النار ، وبئس القرار .
إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
؛ أي : إنّ استدراجي ومكري وأخذي قوي لا يدافع بقوة ، ولا بحيلة ، وسمى العذاب كيدا لأنّ ظاهره إحسان ولطف ، وباطنه خذلان وقهر ، وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر : أن كيدي بفتح الهمزة على معنى : لأجل أن كيدي . وقرأ الجمهور بكسرها على الاستئناف ، والهمزة في قوله :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا
للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف تقديره : أكذبوا بآياتنا ولم يتفكروا فيها فيعلموا
ما بِصاحِبِهِمْ
محمد صلى اللّه عليه وسلّم
مِنْ جِنَّةٍ
؛ أي : شيء من جنون ؛ أي : أكذبوا الرسول ولم يتفكروا في حاله من بدء نشأته ، وفي حقيقة دعوته ، ودلائل رسالته ، وآيات وحدانية اللّه وقدرته على إعادة خلقه كما بدأهم . إنّهم إن تفكروا في ذلك مليا . . أوشكوا أن يعرفوا الحق ، وما الحق إلا أن صاحبهم ليس به جنة ، وقد حكى الكتاب الكريم أنّهم رموه بالجنون كقوله في كفار مكة :
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 69 ) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
70 ، وقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( 6 ) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
7 وقوله :
أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ
. وعبر عنه صلى اللّه عليه وسلّم بصاحبهم للإعلام بأن طول مصاحبتهم له صلى اللّه عليه وسلّم مما يطلعهم على نزاهته صلى اللّه عليه وسلّم عن شائبة الجنون . وقد جرت عادة الكفار أن يرموا رسلهم بالجنون ؛ لأنّهم ادعوا أن اللّه خصهم برسالته ووحيه على كونهم بشرا كغيرهم ، لا يمتازون من سائر الناس بزعمهم ؛ ولأنّهم ادعوا ما لم يعهد له نظير عندهم ، فقد حكى اللّه عن قوم نوح أنّهم اتهموه بالجنون فقالوا :
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ