تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
قصد أو بنية كسب المال والجاه ، وفي نفسه ما يصرفه عنها . . فلن يستفيد منها شيئا ، وسرعان ما ينسلخ منها . وهذه الآية من أشد الآيات على العلماء الذين يريدون بعلمهم الدنيا ، وشهوات النفس ، ويتبعون الهوى ، وذلك لأنّ اللّه سبحانه وتعالى خص هذا الرجل بآياته وحكمته ، وعلمه اسمه الأعظم ، وجعل دعاءه مستجابا ، ثم إنّه لما اتبع هواه ، وركب إلى الدنيا ، ورضي بها عوضا عن الآخرة . . نزع منه ما كان أعطيه ، وانسلخ من الدين ، فخسر الدنيا والآخرة ، ومن الذي يسلم من الميل إلى الدنيا واتباع الهوى إلا من عصمه اللّه بالورع ، وثبته بالعلم ، وبصره بعيوب نفسه . وعن كعب بن مالك الأنصاري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه » أخرجه الترمذي . ثم ضرب اللّه تعالى مثلا لهذا الرجل الذي آتاه آياته فانسلخ منها واتبع هواه فقال :
فَمَثَلُهُ
؛ أي : مثل هذا المنسلخ عن آيات اللّه تعالى وصفته في الدناءة والخسة ، ولزوم حاله له
كَمَثَلِ الْكَلْبِ
؛ أي : كصفة الكلب الذي صار لهث اللسان طبيعة له
إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ
أيها المخاطب ؛ أي : إن تزجره وتطرده
يَلْهَثْ
؛ أي : يخرج لسانه مع التنفس الشديد
أَوْ تَتْرُكْهُ
؛ أي : تترك ذلك الكلب غير مطرود
يَلْهَثْ
؛ أي : يخرج لسانه مع التنفس ؛ أي : « 1 » إن شددت عليه وأجهدته لهث ، أو تركته على حاله لهث ، لأن اللهث طبيعة أصلية فيه ، فكذلك حال الحريص على الدنيا ، إن وعظته . . فهو حرص لا يقبل الوعظ ولا ينجع فيه ، وإن تركته ولم تعظه . . فهو حريص أيضا ؛ لأن الحرص على طلب الدنيا صار طبيعة له لازمة ، كما أن اللهث طبيعة لازمة للكلب اه . « خازن » . وعبارة الشوكاني هنا قوله :
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
؛ أي : « 2 » فصار لما انسلخ عن الآيات ولم يعمل بها منحطا إلى أسفل رتبة ، مشابها لأخس الحيوانات في الدناءة ، مماثلا له في أقبح أوصافه ، وهو أنه يلهث في كلا حالتي قصد
هامش
( 1 ) الخازن . ( 2 ) الشوكاني .